في المكان الذي يُفترض أن ينتهي فيه الكلام، تبدأ الكتابة. في الجغرافيا التي تُختصر في نشرات عاجلة، تولد اللغة ببطءٍ مهيب، لأنها تعرف أنّ الاستعجال خيانة للوجع.
هناك، بين خيمة وخيمة، وبين اسمٍ مفقود واسمٍ لم يُسجَّل بعد، ترفع طفلة من غزة قلمها لتعيد ترتيب العالم.
تالا المصري هي شاهدٌ صغير الحجم في دفتر النزوح الموجع، عميق الأثر، يحمل ذاكرة أكبر من العمر، ويقف في مواجهة الركام دون درع سوى الكلمات.
حين تكتب، لا تفعل ذلك من مسافة آمنة، وإنما من قلب المشهد، من نقطة التماس بين الحياة حين تتشبّث بنفسها، والموت حين يمرّ متفاخراً بسلطته.
غزة التي تكتبها تالا ليست مدينةً مكسورة، فهي كائنٌ يتعلّم الصبر بصوتٍ منخفض. إنّ كلّ شيء في تلك البقعة يبدو مختلفا؛ فالبيوت المنهارة لا تظهر في نصوصها حجارة صامتة، وإنما هي أرواح خرجت فجأة من دفاتر العائلة.
والأحلام كذلك لا تُذكر باعتبارها أفكاراً ضائعة، وإنما كأشياء دُفنت على عجل، دون وقتٍ كافٍ للوداع.
أمّا المخيم في سردها فهو امتحان طويل للكرامة.
لك أنْ تتخيّل الخيام المتلاصقة وكيف تخلق قرباً جسدياً خانقاً، وتُبقي المسافات الروحية واسعة، لأنّ لكل وجع لغته الخاصة.
والقماش المهترئ لا يفصل العائلات، وإنما يكشف هشاشة العالم، ويعرّي فكرة الحماية كما عرّى الريح جدران البيوت.
في طوابير الماء، يتحوّل الانتظار إلى وحدة قياس للزمن، فالأعمار هناك تُحسب بعدد المرّات التي عاد فيها الجالون فارغاً. الوجوه التي تمرّ أمام الشمس يومياً تفقد ملامحها؛ لأن الانكسار المتكرر يمحو التفاصيل الصغيرة.
حتى الغسيل المعلّق في الساحات العامة يكتسب معنى آخر، فهو يُنشر لأنه إعلان وجود.
الكثير من المفارقات المؤلمة ترصدها الكاميرا من قميص طفل، وعباءة أم، إلى قطعة قماش باهتة اللون، جميعها تقول إنّ الغياب لم ينتصر بعد.
الأشياء اليومية تتحوّل إلى بيانات مقاومة صامتة
باتت النار التي يعلوها القدر مرآة مصير مكشوف؛ لأنّ الأيدي التي تحرّك الطعام تعرف أنها تصنع حياة من شحّ، وتقسّم القليل بعدلٍ موجع، وتمنح الصبر اسماً آخر كي يُحتمل.
الأطفال في نص تالا لا يظهرون كضحايا تقليديين، فهم يظهرون ككائنات تعيد تعريف اللعب.
الحجارة تحلّ مكان الألعاب، والضحك لا يدلّ على العافية، وإنما على آخر مساحة لم تطلها الغارات.
أما الضحكة هناك فهي فعل بقاء، لا علامة فرح.
وسط هذا كله، تظهر الكتابة كفعل نجاة خالص، ليست هواية، ولا ترفاً، ولا حلماً مؤجلاً، فهي الشيء الوحيد الذي لم تفلح الحرب في نزعه.
القلم يتحوّل إلى خيمة داخلية، تحتمي فيها الروح من الانهيار الكامل؛ لأنّ الكلمات تُكتب من داخل المعركة، لا عنها، وتُسجّل الفقد لحظة حدوثه، دون تزيين أو مسافة.
الكتاب الذي كتبته تالا لا ينتظر ناشراً فهو ينتظر عالماً مستعداً للاستماع.
واعلمي يا بنيّتي أنّ تأخر النشر لا يعود إلى ضعف النص، وإنما إلى قوته، فالحصار لا يكتفي بتجويع الأجساد، وإنما يضيّق على الأصوات التي تفضح المعنى؛ فالكتب الصادقة تُخيف، لأنها لا تطلب تعاطفاً، وتفرض حقيقة.
هذا الكتاب يعيش الحالة نفسها التي يعيشها أصحابه: محاصر، ومؤجَّل، ومثقل بالصبر، ومفعم بالصدق.
هو شاهد إضافي، لا يمكن شطبه بسهولة، لأنه كُتب من مادة لا تُمحى.
في غزة، الموت لا يأتي سريعاً دائماً؛ فالنزف أطول، والصمت أعمق، والكتابة أقل ضجيجاً وأكثر قسوة.
الصراخ قد يُقمع، أما الكلمة فتجد طريقها، ولو بعد حين.
تالا تكتب لأنّ الذاكرة تحتاج من ينقذها من النسيان القسري.
نعم، تكتب لأنّ الأرقام لا تكفي، ولأنّ الحكايات حين لا تُروى تموت مرتين، فكل سطر تكتبه يفتح نافذة في جدار مغلق، وكلّ فقرة تضيف اسماً إلى سجلّ لم يُسمح له أنْ يُكتمل.
القراءة ستحدث، قد تتأخر، وقد تأتي من أماكن غير متوقعة، غير أنّ الكلمات التي خرجت من هذا المكان تعرف طريقها. ليعلم العالم بأنّ الدم لا يبقى سرّاً، والذاكرة لا تُقصف، والحكايات التي تكتبها الأيدي الصغيرة تُربك الطغاة لأنها لا تنسى.
عندما يُفتح هذا الكتاب يوماً، سيقرأ لأنه وثيقة روح، ونصّ نجاة، ودليل على أنّ غزة، حين ضاق بها العالم، قررت أنْ تكتب نفسها.
وذلك كافٍ ليبدأ التاريخ بالإنصات.






