ذاكرة تنبض بالحياة كلما عدت لأعدادها القديمة في أمسيات الخريف
الاحتفاء بهذا المنجز هو في جوهره احتفاءٌ بالكلمة المسؤولة
الجرائد كالناس، بعضها نألفها ونطمئن إليها وأخرى تمر كما يمر غريب، وبعض الجرائد تفتح لك قلبها منذ الصفحة الأولى ومنذ اللقاء الأول، وبعضها الآخر تبقى بعيدة عن القلب والوجدان.
هناك جرائد تشبه الصديق القديم يكبر معك، ويحفظ أسرارك ويرافق تحولاتك، ويخلد ذكرياتك، وأخرى تشبه شخصا غريبا التقيته ذات مرة، ثم ضاعت ملامحه وخفي وسمه ورسمه، فلا يترك في النفس أثرا، تلتقيه ثم ينسى كأن لم يكن.. هكذا هي الجرائد.. شخصيّات حيّة من ورق، لا يختارها القدر وحده ولا الصدفة وحدها، بل تختارها الذائقة والذاكرة، وذلك الخيط الخفيّ الذي يربطنا بما يشبهنا.
كانت هذه حالي مع جريدة الشعب، وكنت في الثانية عشرة من عمري حين وجدتني كواحد من الفتية الباحثين عن نقطة ضوء في مدينة كان لها قلب ووجدان، كانت المدينة تفاخر غيرها ببنية لم تكن في غيرها من مدن الجنوب، وكانت وردة توقرت تصدر لباريس والعالم يشهد تغيرات كبيرة. ولم تكن جريدة الشعب مجرّد جريدة نقرأها ونقلب أوراقها، بل كانت نافذة تُفتح كل صباح لنعرف من خلالها العالم القريب والبعيد بكل أحداثه وبكل ضجيجه وصخبه كانت كالصديق أجالسه وآنس إليه.
كانت جريدة الشعب ونحن فتيان تحتفي بالأدب والثقافة، وتنقل لنا الأخبار.. ترافق الثورة الاشتراكية في خطواتها الأولى، وتزور قرى الفلاحين في يومياتهم المشرقة، وأحلامهم الجميلة، وأصواتهم الدافئة.. كانت جريدة حية، لها أنفاسها، ولها نبضها، وكل صفحة منها تحمل قبسا من الذكريات، تملأ القلب بالحنين، وتجعل القراءة تجربة لا تُنسى.كنتُ أنتظرها كلَّ مساءٍ، وكانت تصل إلى مدينتنا يوم كانت مدينة متأخرة بساعات، وأحيانا بعد يومٍ أو يومين. كان ذلك في سبعينيات القرن الماضي، حين لم يكن بين أيدينا سوى الجريدة والمذياع وبعض الكتب.. وحين تصل الجريدة، أمدّ يدي إليها بلهفة كبيرة، وانجذابٍ لا يُقاوَم، وأستنشق رائحة الورق كأنها عطرٌ ثمين، فتغمرني سعادةٌ لا تُوصَف.
لم تكن جريدة الشعب ورقا يُطوى ثم يرمى، بل كانت ذاكرة تنبض بالحياة كلما عدت لأعدادها القديمة في أمسيات الخريف، كانت كلماتها تبوح لي بأسرار المعاني والدلالات، وتنسج بيني وبينها ألفة لا يعرفها إلا من أدمن معاشرة الورق.
أتذكر الآن ذلك الحدث الجميل وقد مر عليه أكثر من أربعين عاما، يوم نشرت هذه الجريدة أسماء الفائزين في شهادة البكالوريا شعبة الآداب مطلع الثمانينات، ولم تكن صفحاتها ساعتئذ مجرد حبرٍ وأسطر، بل كانت موعدا خفيّا مع حلم طال انتظاره، وقتها كنت أفتح الجريدة بيدٍ مرتجفة، كأنها رسالة حبٍّ مؤجَّلة، أقلب صفحاتها بلهفة القلب لا بعجلة الأصابع، وأقرأ الأسماء بعجلة من يبحث عن شيء ضائع أقرأ الأسماء وأعيد اسما اسما حتى لمع اسمي.. العيد جلولي.
في تلك اللحظة، حين لمع اسمي بين السطور، كانت الفرحة تولد خجولة ثم تكبر، تفيض في الصدر وتسيل دموعا صامتة على حواف الورق.. صار للحبر رائحة الفجر، وللورق دفء الانتصار، وتحولت الجريدة إلى شاهدٍ أبديّ على أول لقاء بين الحلم وصاحبه.
كان ذلك اليوم وعدا بالنجاح والعبور إلى ضفة أخرى، وكان اعترافا بأن التعب لايضيع وأن الأحلام تتحقق ولو بعد حين..
هكذا كتبت جريدة الشعب فصلا من ذاكرة جيل، فصلا لا يشيخ؛ لأن الفرح حين يولد أول مرة، يبقى شابّا إلى الأبد وهذا ما حدث بعد ذلك حين كتبت شيئا من البوح المتواضع وأطلقتُ ما كان حبيسا داخلي وأنا طالب مراهق، ثم كتبت نصوصا ضاعت كما تضيع أوراق الخريف في شوارع المدن الكبيرة، وحين اكتهلت، كتبت على صفحاتها كل ما كان يشغل المجتمع الثقافي والتربوي والجامعي.. كتبت عن أدب الأطفال وثقافتهم وعن المسرح ودوره، وعن الجامعة وكل ما يشغل الطالب والأستاذ، وكتبت عن التراث وشؤونه فكانت مساهمتي تمثل نبض الشارع وصوته.
واليوم ونحن نحتفل بإنجاز كبير تمثل في هذا العدد الهائل من الأعداد التي أصدرتها «الشعب»، لايسعنا إلّا أن نقف وقفة تقديرٍ واحترام أمام مسيرةٍ إعلاميةٍ رائدة حفرت كلماتها في تربة الوطن، ولا شك أن هذا الرصيد الهائل من المقالات ليس مجرد أرقامٍ تتراكم، بل هو سجلٌّ حيٌّ لذاكرة الوطن، ومرآةٌ لتحوّلات المجتمع، ومنبرٌ احتضن قضايا الناس وهمومهم وأحلامهم عبر السنين.
لقد كانت «الشعب» شاهدة على اللحظات الكبرى، ومرافقة للتفاصيل الصغيرة، تنقل الحدث وتُضيء المعنى، وتؤمن بأن الكلمة الصادقة فعلُ بناءٍ لا يقلّ قيمة عن أي إنجازٍ مادي. ومن خلال هذا العطاء المتواصل، رسّخت مكانتها ليس فقط كوسيلة إعلام، بل كمؤسسةٍ ثقافيةٍ ووطنيةٍ أسهمت في تشكيل الوعي، وحفظ الذاكرة، وصناعة الحوار.
إن الاحتفاء بهذا المنجز هو في جوهره احتفاءٌ بالكلمة المسؤولة، وبالصحافة التي اختارت أن تكون قريبة من الناس، نابضة بروح الوطن، ومؤمنة بأن الرسالة الإعلامية أمانةٌ وتاريخ.






