أكدت مصمّمة البرنامج التعليمي الموجّه لطلبة الترجمة، والموسوم بـ«بطاقة القرار الترجمي”، زينة علاوة رميلي، تقني سام في الإعلام الآلي برمجة ومعلوماتية بالمجلس الأعلى للغة العربية، أكدت أن المشروع الجديد يهدف إلى إعادة تشكيل علاقة المترجم بالذكاء الاصطناعي، من خلال مقاربة تجمع بين التكوين اللغوي والتفكير النقدي والأخلاقيات المهنية”.
أوضحت المتحدثة في تصريحها لـ«الشعب”، أن اختيار الكشف عن البرنامج خلال الملتقى الوطني “الترجمة والتعليمية بين الوسيلة والغاية”، الذي نظمه مؤخرا المجلس الأعلى للغة العربية بمناسبة اليوم العالمي للغة الأم، يحمل دلالة رمزية عميقة، باعتبار أن اللغة العربية ليست مجرد أداة تواصل، بل وعاء حضاري قادر على استيعاب التحولات الرقمية، مشيرة إلى أن الإعلان في هذا السياق يؤكد قدرة العربية على احتضان الذكاء الاصطناعي بوصفه قوة تحويلية، تعيد تشكيل الهوية المعرفية، وليس بديلا عن العنصر البشري.
وأضافت أن الرسالة الأساسية التي يسعى المجلس إلى إيصالها، تتمثل في أن مستقبل تعليم الترجمة لا يُحسم بمنطق المنع أو السماح للآلة، بل عبر التأطير البيداغوجي الذي يحفظ استقلالية المترجم، ويعزز قدرته على اتخاذ القرار، مؤكدة أن الرهان الحقيقي هو توجيه التكنولوجيا لخدمة التكوين لا استبداله.
وعن دوافع تصميم البرنامج، أشارت إلى أن الفكرة جاءت لمعالجة العلاقة المتوترة بين الترجمة كوسيلة لتعلم اللغات والترجمة كغاية مهنية قائمة بذاتها، موضحة أن المشروع يهدف إلى كسر الجمود التقليدي من خلال إدماج “الفاعل التقني” كعنصر محفز للتفكير النقدي لدى الطالب.
وبيّنت أن الإضافة الأساسية مقارنة بالتكوين الجامعي التقليدي، تكمن في الانتقال من مهارة “ترجم ثم صحح” إلى تعليم ما وصفته بـ«كفايات ما بعد الأداة”، مثل التبرير والتحقق وحوكمة الجودة والأخلاقيات المهنية، مؤكدة أن البرنامج يسعى إلى تجاوز التبعية اللغوية والاستهلاك السلبي للمخرجات الآلية، وتحويل المتعلم من مجرد كاتب ترجمة إلى مدير اقتراحات يمتلك سلطة الاختيار والنقد.
وفي ما يتعلّق بالمحتوى والمنهجية، أكدت أن البرنامج يركز على مهارات ما بعد التحرير Post-editing)) وكشف التسطيح الأسلوبي في العربية، وضبط النبرة والملاءمة الثقافية للنصوص، معتمدا على نموذج هجين تدريجي يمر بأربع مراحل تبدأ بالترجمة دون ذكاء اصطناعي، ثم بالاستعانة به، ثم نقد مخرجاته، وصولا إلى مرحلة الترجمة بعده عبر التحقق والأخلاقيات.
وأضافت أن إعداد المحتوى تمّ بطريقة تحفز التفكير النقدي، من خلال اعتماد “بطاقة القرار الترجمي” التي تلزم الطالب بتفسير اختياراته المصطلحية وتبريرها، بما يسمح بإبراز آليات التفكير لا الاكتفاء بالنتيجة النهائية.
وفي جانب آليات التنفيذ، أوضحت أن البرنامج يعتمد أدوات مبتكرة من بينها “اختبار الهلوسة المقصودة”، حيث يُطلب من الطالب اكتشاف الأخطاء الخفية في الترجمات الآلية، بهدف تحويل مخاطر الذكاء الاصطناعي إلى فرص تعليمية عملية. كما أشارت إلى أهمية وضع سياسة مؤسساتية واضحة لأخلاقيات الاستخدام، وضمان حقوق النصوص والبيانات عند التعامل مع المنصات الرقمية.
وعن الأثر المنتظر للمشروع، توّقعت بروز جيل جديد من المترجمين يمتلك كفاية التبرير والتحقق، ما من شأنه نقل الترجمة في الجزائر من مجرد نقل لغوي إلى صناعة قرار مهني واع. وأكدت أن البرنامج يسهم في إبراز خصوصية اللغة العربية وثرائها الاشتقاقي أمام ما قد تفرضه الآلة من تسطيح أسلوبي، بما يعزّز من سيادتها الرقمية.
وختمت تصريحها بالتأكيد على أن الرهان الأكبر يكمن في تقييم مسار التفكير لا المنتج النهائي فقط، معتبرة أن تفوق المترجم البشري يظهر في قدرته على التحليل الثقافي والأخلاقي. وقالت إن معركة الترجمة مع الذكاء الاصطناعي ليست معركة بقاء، بل معركة ارتقاء، هدفها تحويل الطالب من مستهلك سلبي للتقنية إلى صانع قرار يمتلك الحجة اللغوية والوعي النقدي، مضيفة أن مستقبل الترجمة لا يصنعه من يمنع التقنية، بل من يمنحها لساناً عربياً مبيناً بذكاء وإتقان.






