منذ أن أُسدلت الستارة على حياة والديه، أدرك “فايز” أن فراغ الحنان لا يُملأ إلا بالفعل. لم يتقمّص دور الأب، ولم يدّعِ الوصاية، لكنه اختار أن يكون قلباً مفتوحاً على خمسة شقيقات، وسنداً لا يميل.
كان صباحه يبدأ قبل العمل بخطواتٍ قصيرة نحو بيت أخته الكبرى، القريب من داره. يطرق التحية برفق، ويسأل عن الصحة والأحوال. فإن لمحها مستيقظة، غمرته دعواتها بالرضا، وإن لم يرَ لها أثراً، آثر الصمت احتراماً لنومها، ومضى وهو يترك خلفه نيةً بيضاء.
أما بقية أخواته، فكان صوته يصل إليهن شبه يومي، يسأل، يطمئن، ويصغي. وإذا بلغه خبر مرض إحداهن، لم ينتظر دعوة، بل كان أول الواصلين، في البيت أو المشفى، يقف إلى جوارها حتى تعود العافية، وكأن وجعه يخفّ بشفائها.
كان يحزن لِحُزنهن، ويفرح لدعائهن، ويُكثر من ترديد قول النبي ﷺ: “لا يدخل الجنة قاطع رحم”
كأنما جعلها عهداً يومياً مع نفسه.
لم يكن عصبياً، ولا صاخباً، بل حكيماً يعرف متى يتكلم ومتى يصمت. لجأن إليه دون بقية إخوته، يشكين همومهن، وهموم أولادهن، فيجدن في حديثه طمأنينة، وفي حضوره دفئاً افتقدنه طويلاً. كان يحلّ ما استطاع من مشاكل، ويشير بالنصح حيث يعجز الفعل، ولا يخذل.
حين جاء وقت الإرث، أعطى كل أخت حقها كاملاً غير منقوص، وكان يقول بثبات: “حق البنات خط أحمر”. ودافع عنه كما يدافع المرء عن شرفه.
لم يردّ طلباً، ولم يُظهر ضيقاً، وكان همه أن تبقى أخواته راضيات عنه. يفرح بزيارتهن، ويسعى لإسعادهن، يرسل لهن ما يحببن من هدايا ومأكولات، ويكون السند بالباع والذراع، لا بالكلام وحده.
كان الوحيد تقريباً الذي يسأل عنهن خارج مواسم الأعياد، وكانت الشكاوى من تقصير الآخرين تجد طريقها إليه، فيحتويها بصبر، دون أن يؤجج خصومة أو يفتح باب فتنة.
وحين كانت الأفراح تُقام، كان “فايز” لا يعرف المسافات. يقطع الطرق، ويتجاوز العوائق، حتى لو أُغلقت الحواجز، وكان يقول مازحاً:
«نصل ولو مشياً”.
وفي مرةٍ، عجز عن الوصول إلى زفاف ابنة إحدى شقيقاته، فكتب لها رسالة، لم تكن اعتذاراً بقدر ما كانت وطناً ينزف:
أختاه، كيف الوصول إليكِ والوطن كله معازل؟
هؤلاء الغرباء يمنعوننا من التنقل بين مدننا وقرانا، ويمارسون علينا كل أشكال الذل بلا خجل.
لكن سيأتي من أبنائنا جيل لا يقبل لنا الذل ولا التنازل.
فكل احتلالٍ مهما تعاظم..زائل.
وإن عجزتُ عن الوصول، سأرسل مع الطير تحياتي وأشواقي، فاقبليها واطبعي عليها أحلى القُبل.
أحبته شقيقاته، وأحبه أولادهن وبناتهن، حتى أطلقوا عليه لقباً صار اسمه الثاني:
«أبو الولايا”.
فرح باللقب، لا لأنه يضيف وجاهة، بل لأنه رآه شهادة شكر غير مكتوبة، وتقديراً صادقاً لمواقف لم ينتظر عليها جزاءً.
ظل على هذا النهج حتى رحل.
وفي يوم وفاته، بدا الفقد فادحاً، وجُنّ حزن أخواته ومحبيه، لأن الأخ لا يُعوَّض.
سمّت بعض أخواته أحفادهن الجدد باسمه، ليبقى “فايز” حيّاً في النداء اليومي، وفي الذاكرة، وفي كل مرة يُقال فيها:
«تعال يا فايز”، كأن أبو الولايا لم يغب…بل توزّع في القلوب.






