على إثر التّحذيرات الصارمة التي أطلقتها وزارة التجارة الداخلية وضبط للسوق، بالتنسيق مع وزارة الفلاحة والتنمية الريفية، بشأن ضرورة الالتزام بالتمييز الواضح بين اللحوم الحمراء المحلية والمستوردة لدى الجزارين، قامت “الشعب” بجولة ميدانية قادتها إلى عدد من محلات الجزارة والأسواق ببعض محلات اللحوم الحمراء للوقوف على مدى تجسيد هذه التعليمات على أرض الواقع، واستطلاع آراء المهنيّين والمواطنين حول الإجراءات الجديدة.
التّحرّكات الأخيرة من قبل الوصاية شدّدت على منع أي تلاعب في مصدر اللحوم أو محاولة تسويق المستورد منها على أنه محلي من خلال الدمغ المزدوج في إطار التدابير التي تدخل في حماية المستهلك وقمع الغش. فكيف استقبل التجار هذه التعليمات؟ وهل أصبح التمييز واضحا فعلا أمام المستهلك؟
في أولى محطّات الجولة داخل محل بيع اللحوم الحمراء بالحراش في الجزائر للعاصمة، الذي يشهد حركية تجارية يومية، بدت ذبائح اللحوم معلقة بوضوح وعليها الدمغ البيطري.
سألنا صاحب المحل عن مصدر اللحوم المعروضة، فأوضح أن “اللحوم المحلية تحمل دمغة واحدة طولية، أما المستوردة فموسومة بدمغتين متوازيتين”، مضيفا أن الالتزام بهذه التعليمات “أصبح ضرورة لتفادي أي مساءلة”.
وأكّد أن فرق الرقابة كثّفت خرجاتها في الأيام الأخيرة، للمذابح وأماكن توزيع اللحوم حيث تم تنبيه الجزارين إلى أهمية إبراز مصدر اللحوم للزبائن، سواء عبر الدمغ الظاهر أو من خلال التصريح الشفهي الواضح، وأضاف أن “الوضع تغير بعد هذه الإجراءات، وأصبح الجميع أكثر حرصا”.
وفي محل آخر وسط المدينة ذاتها، أشار جزار إلى أن القرار ساعد على إزالة اللبس الذي كان قائما سابقا، موضّحا أن بعض الزبائن كانوا يطرحون تساؤلات متكررة حول مصدر اللحم، أما اليوم فبإمكانهم التحقق بأنفسهم.
اختلاف في الطّلب
الجولة كشفت أيضا تباينا في رغبات المستهلكين، فبينما يصر البعض على اقتناء اللحوم المحلية، معتبرين أنها “أكثر طراوة” وأقرب إلى “الذوق المعتاد”، وأنها معروفة المصدر باعتبار أن منشأها معروف”، يتجه آخرون إلى اللحوم المستوردة بسبب سعرها الذي يكون أقل.
وأوضح أحد الجزارين أن الطلب على المحلي ما يزال الأقوى، رغم وفرة المستورد في السوق. وأكد أن التمييز الواضح لم يؤثر سلبا على المبيعات، بل على العكس “أراح التاجر والمستهلك”. بالمقابل، أشار مهني آخر إلى أن بعض الجزارين الذين لم يلتزموا سابقا بالتصريح الدقيق بالمصدر، وجدوا أنفسهم اليوم أمام رقابة مشددة، ما دفعهم إلى تصحيح أوضاعهم بسرعة.
من جهة أخرى، أفاد أحد الجزارين أن اللحوم المستوردة لقيت إقبالا معتبرا من قبل المستهلكين الذين وجدوا فيها متنفسا بسبب انخفاض أسعارها عن المحلي، لكنه شدد على أن المحلي يبقى سيد اللحوم، وأن الطلب عليه لا يزال كبيرا خلال الشهر الفضيل.
المستهلك..وعي متزايد
وخلال تجوّلنا في السوق، التقينا عددا من المواطنين الذين عبروا عن ارتياحهم للإجراءات الجديدة، معتبرين أنها تعزز الشفافية. أحد المتسوقين أكد أن “التمييز بالدمغ خطوة إيجابية، لكن الأهم هو استمرار الرقابة”. ومواطنة أخرى شدّدت على أن حق الاختيار يجب أن يكون مبنيا على معلومة واضحة، مضيفة أن “المشكل لم يكن في وجود اللحوم المستوردة، بل في بيعها أحيانا على أنها محلية”. وبينما شدّد العديد من المواطنين على ضرورة التفريق بين المحلي والمستورد، ومحاربة ظواهر سلبية في السوق تمس جيوب المواطنين، أكد متسوّقون آخرون أن التفريق بين المحلي والمستورد يمكن اكتشافه من خلال العين المجردة، خاصة لأصحاب الخبرة في المجال. غير أن بعض المواطنين أشاروا إلى ضرورة القيام بحملات توعوية تشرح طريقة قراءة الدمغ، حتى يتمكن الجميع من فهم الفرق بسهولة، خاصة بالنسبة إلى كبار السن الذين قد لا يكونوا على اطلاع بالتعليمات الجديدة.
رقابة ميدانية وتحذيرات متجدّدة
وخلال هذه الجولة، أكّد أحد الجزارين أن أعوان الرقابة يقوموا بمعاينة أماكن الذبح والتوزيع، وكذلك محلات بيع اللحوم الحمراء، للتأكد من وضوح الدمغ وعدم وجود أي محاولة لطمسه أو تقطيعه بطريقة تخفي مصدره. وأكد أن التحذيرات الأخيرة جاءت بعد تسجيل بعض التجاوزات المحدودة، مشدّدا على أن المرحلة الحالية تتطلب صرامة أكبر لحماية السوق من أي ممارسات تضر بالمستهلك .
كما يقف وقوف أعوان الرقابة على مدى وفرة المواد الغذائية الواسعة الاستهلاك، مع الحرص على وضعية شفافية الممارسات التجارية، واحترام هوامش الربح المطبقة على أسعار اللحوم ومختلف المواد الغذائية، وفق بيانات صادرة عن مديريات التجارة غبر مختلف ولايات الوطن.
انضباط أكبر..وتحديات قائمة
والملاحظ خلال هذه الجولة أن غالبية الجزارين امتثلوا للتعليمات، حيث بدت الدمغات واضحة على الذبائح المعروضة. غير أن بعض المهنيين أشاروا إلى تحديات مرتبطة بوعي المستهلك، معتبرين أن بعض الزبائن ما يزالون يخلطون بين الأمر. كما طرح آخرون مسألة ضرورة توحيد التسميات والإشارات داخل القصابات، عبر ملصقات توضيحية تدعم نظام الدمغ، حتى يصبح التمييز أكثر سهولة.وكشفت هذه الجولة الميدانية أن إجراءات الحكومة وتحذيراتها للتجار والجزارين حققت نتائج إيجابية لها أثر مباشر في رفع مستوى الانضباط داخل المحلات، وأن نظام التمييز بين المحلي والمستورد أصبح أكثر وضوحا من السابق. غير أن نجاح هذه الإجراءات على المدى البعيد سيظل مرهونا باستمرارية الرقابة، وتكثيف حملات التوعية، وتعزيز ثقافة التصريح الصادق بالمصدر.
وبين التزام التجار ووعي المستهلك، تضبط الوصاية سوق اللحوم الحمراء في إطار الشفافية والانضباط لتحقيق توازن بين الوفرة، واستقرار الأسعار، وحماية حق المواطن في الاختيار الواعي وحقه في الشفافية بعيدا عن السلوكات السلبية التي ينتهجها بعض تجار في مثل هذه المناسبات .




