دخلت محطة توليد الكهرباء للتضامن الجزائري – النيجري بمنطقة غوروباندا في العاصمة نيامي حيز الخدمة، بعد تدشينها الرسمي من طرف الوزير الأول سيفي غريب، رفقة الوزير الأول لجمهورية النيجر لمين زين علي مهمان، في مشروع طاقوي أنجزته المؤسسة الوطنية سونلغاز الدولية لفائدة النيجر، بقدرة إجمالية تصل إلى 40 ميغاواط، عبر توربينتين غازيتين بقدرة 20 ميغاواط لكل واحدة.
يكتسي المشروع أهميته من زاويتين أساسيتين، الأولى تقنية وتنموية مرتبطة بدعم قدرات النيجر في إنتاج الكهرباء، والثانية سياسية واقتصادية تعكس طبيعة المقاربة الجزائرية تجاه دول الجوار والساحل، وهي مقاربة تضع التنمية في صلب الاستقرار، وتتعامل مع الأمن الإقليمي بوصفه مسارا واسعا لا ينحصر في الملفات التقليدية، بل يمتد إلى الطاقة، البنى التحتية، التكوين، ومرافقة الدول الشقيقة في بناء قدراتها الداخلية.
وأنجزت المحطة في ظرف لا يتجاوز ثلاثة أشهر وهو رقم قياسي، مع احترام المعايير التقنية الدولية المعتمدة في إنتاج ونقل الطاقة الكهربائية، لتضيف 40 ميغاواط إلى قدرات الإنتاج في منطقة النهر، وهو رقم مهم بالنظر إلى طبيعة الاحتياجات المحلية ومستوى الاستهلاك في النيجر. وبالنسبة لبلد يواجه تحديات كبيرة في تعميم الكهرباء وربط المناطق السكنية والاقتصادية بالشبكات، فإن دخول هذه القدرة الجديدة حيز الخدمة من شأنه أن يخفف الضغط على المنظومة الكهربائية، ويسمح بتحسين الخدمة لفائدة آلاف العائلات والمؤسسات، خصوصا أن هذه القدرة الانتاجية قد تكفي لتزويد عشرات الآلاف من المنازل (حوالي 50 ألف)، وربما أكثر في بعض المناطق، بالنظر إلى انخفاض متوسط الاستهلاك مقارنة بالمعدلات العالمية.
في سياق متصل، لا يقتصر المشروع على تركيب تجهيزات طاقوية وتسليم محطة جاهزة، بل يتضمّن بعدا عمليا يرتبط بتطوير شبكة النقل والتوزيع، والتنسيق بين سونلغاز الدولية والشركة النيجرية للكهرباء «نيجيلاك»، إضافة إلى تكوين أعوان من الشركة النيجرية في الجزائر.
وهذه النقطة تحديدا تمنح المشروع قيمة إضافية، لأنها تنقله من منطق المساعدة الظرفية إلى منطق الشراكة وبناء الكفاءة المحلية، بما يسمح للجانب النيجري باكتساب خبرة تشغيلية وتقنية يحتاجها في تسيير منشآت مماثلة مستقبلا.
كذلك، يبرز هذا الإنجاز حجم الخبرة التي راكمتها الجزائر في قطاع الكهرباء، ليس فقط في الإنتاج والتوزيع والتسيير، بل أيضا في التصنيع المرتبط بالصناعة الطاقوية. فالجزائر أصبحت تمتلك قاعدة صناعية مهمة في هذا المجال، من بينها تصنيع توربينات الغاز لتوليد الكهرباء بباتنة، إلى جانب إنتاج مكونات وتجهيزات تدخل في عمل الشبكات والمحطات، وفي مقدمتها محولات الكهرباء ذات التوتر العالي والمتوسط. وهذا
التطور يمنح التعاون الجزائري مع دول الجوار طابعا أكثر صلابة، لأنه يقوم على خبرة ميدانية وقدرة تنفيذية، وليس فقط على تمويل أو توريد تجهيزات من الخارج.
علاوة على ذلك، فإنّ محطة غوروباندا تأتي ضمن توجه أوسع في السياسة الجزائرية تجاه إفريقيا، خاصة منطقة الساحل، حيث تسعى الجزائر إلى بناء علاقات عملية مع دول الجوار وفق منطق «الكل رابح»، من خلال مشاريع قابلة للقياس ولها أثر مباشر على حياة المواطنين، لاسيما وأن الطاقة تعد مدخلا أساسيا لتشغيل الخدمات، دعم النشاطات الإنتاجية، تحسين ظروف العيش، وفتح المجال أمام استثمارات محلية تحتاج إلى كهرباء مستقرة لكي تنمو.
وبالنسبة للجزائر، فإنّ دعم النيجر في مجال الكهرباء ينسجم مع رؤية تعتبر أن استقرار الساحل يمر عبر التنمية، وأنّ معالجة الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية في دول المنطقة تحتاج إلى مشاريع بنيوية مستقرة ومستدامة، وفي هذا الإطار تبدو محطة غوروباندا خطوة عملية ضمن مسار أوسع، يقوم على توظيف الخبرة الجزائرية في الطاقة، وتوسيع الشراكات مع دول الجوار، ومرافقة جهود التنمية المحلية بما يخدم الأمن والاستقرار والاندماج الاقتصادي في المنطقة.





