اقتصــاد أكثر تنافسيــة وشــريــك موثـوق إقليميــا ودوليـــا
تمضي الجزائر بخطوات متسارعة نحو تكريس نموذج اقتصادي جديد يقوم على تنويع مصادر النمو، وتعزيز الاستثمار، وترقية الصادرات خارج قطاع المحروقات، وترسيخ مبادئ الحوكمة والرّقمنة. وقد بدأت هذه الخيارات تحظى باهتمام وإشادة متزايدين من كبرى المؤسّسات المالية الدولية، في ظل النتائج التي أفرزتها الإصلاحات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة.
شكّلت الزيارة التي قام بها وفد رفيع المستوى من صندوق النقد الدولي إلى الجزائر، خلال الأسبوع الماضي، محطة جديدة لتقييم مسار الإصلاحات الاقتصادية التي باشرتها السلطات العليا في البلاد، والوقوف على انعكاساتها الإيجابية على مختلف المؤشّرات الاقتصادية.
وجاءت الزيارة، التي قادها رئيس بعثة صندوق النقد الدولي إلى الجزائر، شارالامبوس تسانغاريدس، في إطار المشاورات الدورية المنصوص عليها في المادة الرابعة من اتفاقية تأسيس الصندوق، حيث أجرى الوفد سلسلة لقاءات مع عدد من أعضاء الحكومة، خُصّصت لاستعراض الإصلاحات الكبرى التي تشهدها البلاد، لاسيما في قطاعي المحروقات والتجارة الخارجية، إلى جانب مناقشة آفاق الاقتصاد الوطني في ظل التحولات الإقليمية والدولية.
وخلال هذه المشاورات، قدّمت السلطات الجزائرية عرضا شاملا للتحولات الاقتصادية التي تعرفها البلاد، والمبنية على رؤية استراتيجية تستهدف بناء اقتصاد أكثر تنافسية، وتحسين مناخ الاستثمار، وتطوير القطاعات الإنتاجية، مع المحافظة على التوازنات المالية وتعزيز التنمية المستدامة.
تعزيز جاذبية الاستثمار الطاقوي
في هذا الإطار، استقبل وزير الدولة، وزير الطاقة والمناجم والطاقات المتجدّدة، محمد عرقاب، وفد صندوق النقد الدولي، بحضور رئيس الوكالة الوطنية لتثمين موارد المحروقات «ألنفط»، ومسؤولين من بنك الجزائر، حيث قدّم عرضا مفصّلا حول واقع قطاع المحروقات وآفاق تطويره، متضمّنا مؤشّرات أنشطة الاستكشاف والإنتاج، وبرامج تطوير الحقول النفطية والغازية، إضافة إلى المشاريع الرامية إلى رفع قدرات الإنتاج والتكرير والمعالجة.
وأكّد الوزير أنّ الجزائر تعمل على تطوير الصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة بما يسمح بتلبية الطلب الوطني، مع الحفاظ على مكانتها كمموّن طاقوي موثوق على المستويين الإقليمي والدولي، مشيرا إلى أنّ الإصلاحات التنظيمية التي يشهدها القطاع تستهدف تعزيز جاذبية الاستثمار وتوسيع الشراكات الدولية للاستفادة من الخبرات والتكنولوجيات الحديثة.
كما أبرز أهمية إطلاق مشروع «الجزائر باي راوند 2026»، الذي يمثل خطوة استراتيجية لاستقطاب المستثمرين الدوليّين وتعزيز استغلال الإمكانات المنجمية والطاقوية التي تزخر بها البلاد، في إطار رؤية تقوم على الشراكة، ونقل التكنولوجيا، وخلق القيمة المضافة.
وامتدت الإصلاحات إلى ملف الانتقال الطاقوي، حيث استعرض الوزير الجهود المبذولة لتقليص البصمة الكربونية لصناعة المحروقات، من خلال برامج الحدّ من انبعاثات غاز الميثان، وتقليص حرق الغاز، وتطوير مشاريع احتجاز الكربون واستعماله وتخزينه، فضلا عن التوسّع في مشاريع الهيدروجين منخفض الكربون والطاقات المتجدّدة المرتبطة بصناعة النفط والغاز، بما ينسجم مع الالتزامات البيئية الدولية.
كما تناول اللقاء المشاريع الوطنية الكبرى، وفي مقدّمتها برنامج تحلية مياه البحر، الذي أصبح أحد أهم المشاريع الاستراتيجية الرامية إلى تعزيز الأمن المائي وضمان تزويد المواطنين والقطاعات الاقتصادية بالمياه، بما يدعم استدامة التنمية الاقتصادية.
تنويع الاقتصاد وتعزيز تنافسيته
في سياق المشاورات نفسها، استقبل وزير التجارة الخارجية وترقية الصادرات، كمال رزيق، وفد صندوق النقد الدولي، حيث قدّم عرضا شاملا حول واقع وآفاق التجارة الخارجية، مبرزا الديناميكية الاقتصادية التي تشهدها الجزائر بفضل الإصلاحات التي أطلقها رئيس الجمهورية، والهادفة إلى تنويع الاقتصاد الوطني وتعزيز تنافسيته.
وأشار الوزير إلى النتائج المحقّقة في مجال ترقية الصادرات خارج المحروقات، من خلال توسيع قاعدة المصدّرين الجزائريّين، وتمكين المنتجات الوطنية من ولوج أسواق جديدة، إلى جانب مرافقة المتعاملين الاقتصاديّين وتعزيز حضور المنتوج الجزائري في الأسواق الخارجية، بما يعكس التحول التدريجي في بنية الاقتصاد الوطني.
كما أبرز التطور الذي عرفه النسيج الإنتاجي الوطني، من خلال ارتفاع عدد المؤسّسات المنتجة التي ساهمت في تعويض الواردات بالإنتاج المحلي، وهو ما يعزّز السيادة الاقتصادية، ويحدّ من التبعية للأسواق الخارجية، ويفتح آفاقا جديدة لخلق الثروة ومناصب الشغل.
وأكّد رزيق أنّ الجزائر تطمح إلى التحوّل إلى قطب اقتصادي وتجاري جهوي يربط بين أوروبا وإفريقيا، بالاعتماد على موقعها الجغرافي، ومشاريعها الاستراتيجية، وقدراتها الإنتاجية واللوجستية، بما يعزّز مكانتها كشريك اقتصادي موثوق في القارة الإفريقية.
إشادة المؤسّسة المالية
أبدى رئيس بعثة صندوق النقد الدولي اهتماما بالإصلاحات التي تمّ عرضها، مثمّنا الجهود التي تبذلها الجزائر لتطوير قطاع المحروقات وتعزيز جاذبيته للاستثمار، إلى جانب المشاريع التي توفّق بين متطلبات التنمية الاقتصادية والالتزامات البيئية، مؤكّدا اهتمام الصندوق بمواصلة متابعة هذه الإصلاحات ودعم المساعي الرامية إلى الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة.
وتأتي هذه الإشادة امتدادا للمواقف الإيجابية، التي عبّرت عنها كل من إدارة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي خلال المنتدى البرلماني العالمي المنعقد بواشنطن في السادس من أفريل الماضي، حيث عُرضت التجربة الجزائرية في مجال الاستثمار، وتمّ التأكيد على أنّ الإصلاحات القانونية المتعلقة بالاستثمار والعقار، وإنشاء الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، والتقدّم المحقّق في رقمنة الإدارة، أسهمت في تحسين مناخ الأعمال بصورة ملحوظة.
كما جرى إبراز الارتفاع الكبير الذي سجّلته الصادرات خارج المحروقات، والتعافي الاقتصادي الذي عرفته الجزائر بعد جائحة كوفيد-19، إلى جانب تراجع معدلات التضخّم، وهي مؤشّرات اعتبرتها المؤسّسات المالية الدولية دليلا على فعالية الإصلاحات الاقتصادية المنتهجة.
سبع سنوات من الإصلاحات
منذ سنة 2019، باشرت الجزائر سلسلة من الإصلاحات الهيكلية العميقة، شملت تحديث المنظومة القانونية للاستثمار، وإنشاء الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار كنافذة موحّدة للمستثمرين، وتوسيع رقمنة الخدمات العمومية، بما ساهم في تقليص الإجراءات الإدارية، وتعزيز الشفافية، وتحسين جاذبية الاستثمار.
وبالتوازي مع ذلك، ركّزت السياسة الاقتصادية على تنويع القاعدة الإنتاجية، وتشجيع الصناعة التحويلية، وتطوير الخدمات اللوجستية، ودعم الاقتصاد الرقمي والطاقات المتجدّدة، وهو ما انعكس على تطور الصادرات غير النفطية واتساع حضور المنتوج الجزائري في الأسواق الخارجية.
وتؤكّد التوقّعات الصادرة عن المؤسّسات المالية الدولية أنّ هذه الإصلاحات بدأت تؤتي ثمارها، حيث رفع البنك الدولي توقّعاته لنمو الاقتصاد الجزائري خلال سنة 2026 إلى 3.7 بالمائة.
وتشير هذه المعطيات إلى أنّ الجزائر دخلت مرحلة جديدة من التحول الاقتصادي، ترتكز على إصلاحات هيكلية متدرّجة تستهدف بناء اقتصاد أكثر مرونة وقدرة على مواجهة التحديات، في إطار رؤية استراتيجية يقودها رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، وتعتمد على الاستثمار والإنتاج والابتكار، مع تعزيز مكانة البلاد كشريك اقتصادي موثوق على المستويين الإقليمي والدولي، وهو ما تؤكّده الإشادات المتواصلة الصادرة عن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تجاه المسار الإصلاحي الذي تنتهجه الجزائر.



