تحديث البرامج التكوينية في ظل التحولات المتسارعة للاقتصاد الرقمي
تمكين خريجي المراكز من إنشاء مؤسساتهم الناشئة الصغيرة والمتوسطة
أكّد الأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي، البروفيسور مراد كواشي، أنّ توجيهات رئيس الجمهورية باستحداث تخصّصات معقّدة في قطاع التكوين المهني، تندرج ضمن رؤية اقتصادية شاملة تهدف إلى جعل هذا القطاع ركيزة أساسية للتنمية المستدامة في الجزائر، من خلال تحديث البرامج التكوينية وربطها بمقتضيات العصر، لاسيما في ظل التحوّلات المتسارعة التي يفرضها الاقتصاد الرقمي.
أوضح كواشي في تصريح لـ «الشعب»، أنّ الرهان اليوم لم يعد يقتصر على توفير تكوين تقليدي، بل يفرض بناء منظومة تكوينية عصرية تجعل من مراكز التكوين المهني أقطابا رئيسية لتخريج كفاءات عالية تستجيب لحاجيات الاقتصاد الوطني، ويقتضي ذلك تحقيق المواءمة الدقيقة بين احتياجات سوق العمل من جهة، ومخرجات مراكز التكوين من جهة أخرى، بما يضمن جاهزية أكبر للخريجين وملاءمة أفضل لمتطلبات المرحلة الراهنة.
وأضاف أنّ التحولات الاقتصادية التي تعرفها الجزائر، تفرض استحداث تخصّصات جديدة تتماشى مع توجّهات الدولة في القطاعات الاستراتيجية، فعلى سبيل المثال، يشكّل التوجه نحو تحلية مياه البحر مجالا واعدا يستدعي إعداد كفاءات متخصّصة في هذا الميدان، كما أنّ الاهتمام المتزايد بالنقل عبر السّكك الحديدية يستوجب فتح تخصّصات مرتبطة بتسيير وصيانة القطارات والبنى التحتية الحديدية، ونفس الأمر بالنسبة للقطاع المنجمي والمعدني، الذي يتطلّب يد عاملة مؤهّلة قادرة على مواكبة المشاريع الكبرى التي أطلقتها الدولة.
ومن هذا المنطلق، قال كواشي: «يصبح التكوين المهني محرّكا حقيقيا للتنمية الاقتصادية الوطنية، باعتبار أنّ أساس كل تنمية هو المورد البشري»، موضّحا أنّ الاستثمار في تطوير التخصّصات والبرامج وربطها الفعلي باحتياجات الاقتصاد الوطني، يفضي إلى تكوين يد عاملة مؤهّلة قادرة على رفع التحديات، سواء في إطار مشاريع خاصة أو ضمن مؤسّسات عمومية وخاصة.
وأبرز الخبير أنّ تطوير شعب التكوين المهني من شأنه دعم التوجه الوطني نحو ترقية المقاولاتية، من خلال تمكين خريجي المراكز من إنشاء مؤسّساتهم الناشئة الصغيرة والمتوسطة القائمة على الابتكار. ويُسهم ذلك في استحداث مناصب شغل جديدة، وتنويع الاقتصاد الوطني، وخلق القيمة المضافة، وفك الارتباط تدريجيا بالمحروقات.
وفي هذا السياق، قال المتحدث: «إنّ التكوين المهني يؤدي دورا موازيا لدور الجامعة في تطوير المورد البشري وصقل مهاراته، بما يضمن تكاملا مؤسّساتيا يخدم الأهداف التنموية الكبرى للبلاد».
وبخصوص انفتاح قطاع التكوين المهني على متربّصين أفارقة، أوضح كواشي أنّ ذلك خطوة نوعية لتعزيز البعد الاقتصادي والإفريقي للجزائر، التي ما فتئت تستقبل آلاف الطلبة الأفارقة في جامعاتها ومؤسّساتها، ووفرت لهم خدمات تكوينية وعلمية منذ عقود، واليوم تفتح المجال أمام مراكز التكوين المهني لاستقبال عدد من المتربّصين الأفارقة، في إطار رؤية شاملة للتعاون القاري، وهي خطوة تعزّز حضور الجزائر في إفريقيا، وتدعم جهود تنمية القارة، من خلال تقاسم الخبرات ونقل المعارف وبناء كفاءات بشرية قادرة على الإسهام في التنمية المشتركة.
غير أنّ نجاح هذا المسار يظل رهينا -بحسب الخبير الاقتصادي- بجملة من الشروط الأساسية، في مقدمتها مواصلة عصرنة التخصّصات وتكييفها المستمر مع احتياجات سوق العمل، حتى لا يجد الخريج نفسه حاملا لشهادة غير مطلوبة في سوق العمل، كما يقتضي الأمر تطوير طرق التعليم والتدريب، وتعزيز التكوين التطبيقي والميداني على حساب الطابع النظري فقط، كما يجب ربط مراكز التكوين بالمؤسّسات الاقتصادية، لتمكين المتربّصين من إجراء تربّصات ميدانية تتيح لهم الاحتكاك المباشر بسوق العمل واكتساب خبرة عملية فعلية، بما يضمن انتقالا سلسا من مقاعد التكوين إلى مواقع الإنتاج.





