مع اقتراب موعد الإفطار، تبدأ ملامح الحركية الرمضانية في التشكل تدريجيا بمحيط «مسجد الأمير عبد القادر»، سيارات تتقاطر بهدوء، عائلات تمسك بأيدي أطفالها، وشباب يتبادلون التحية قبل ان يتجهوا الى بوابات الصرح الكبير، المشهد يتكرر كل ليلة، لكنه لا يفقد خصوصيته، فهنا يتخذ رمضان طابعا مختلفا.
ما إن يرفع أذان المغرب حتى يعم المكان سكونا مهيبا، سرعان ما يتحول الى خشوع جماعي مع اصطفاف المصلين في صفوف متراصة، داخل القاعة الكبرى، تمتزج رهبة المعمار بجلال التلاوة، فتتشكل حالة روحانية يصعب وصفها بالكلمات، الاصوات تتوحد في الدعاء، و»آمين» ترتفع كنبض واحد، في إحساس عميق بأن الجميع جزء من لحظة ايمانية مشتركة.
في صلاة التراويح، يبلغ المشهد ذروته، تمتلئ القاعة الرئيسية، وتمتد الصفوف إلى الساحات الخارجية حيث يختار البعض الصلاة تحت السماء المفتوحة. تتردّد آيات القران في ارجاء المكان، فيصمت كل شيء الا صوت التلاوة، هنا لا يبدو المسجد مجرد فضاء للعبادة، بل يتحول الى حضن واسع يحتضن القلوب الباحثة عن الطمأنينة.
خارج أوقات الصلاة، يحتفظ المكان بحيويته، حلقات تلاوة متناثرة، شباب يتدارسون ما تيسر من القرآن، واطفال يرافقون اباءهم في اولى تجاربهم الرمضانية داخل المسجد، في الزوايا الهادئة، يجلس مسنون يسترجعون ذكريات رمضانات مضت، بينما تنشغل لجان التنظيم بتهيئة موائد افطار عابري السبيل، في صورة تجسد روح التكافل التي يزدهر بها الشهر الفضيل.
ولا يخفى البعد الرمزي الذي يمنحه اسم الامير الأمير عبد القادر لهذا الصرح، فبين جدرانه، تتقاطع معاني الصبر والجهاد الروحي مع سيرة رجل جمع بين العلم والمقاومة والتصوف. وفي رمضان يبدو هذا الارتباط أكثر حضورا، كان المكان يستدعي ذاكرة وطنية تلتقي فيها القيم الدينية بالهوية التاريخية.
ليل قسنطينة يكتسب وهجا خاصا من مئذنتي المسجد المضاءتين، اللتين تشقّان السماء كمنارتين للسكينة. المارة يلتقطون صورا، وزوار من خارج المدينة يقصدونه بدافع الفضول أو الشغف الروحي، ليجدوا أنفسهم امام تجربة تتجاوز الاعجاب المعماري الى شعور داخلي بالسلام.
في هذا الفضاء، يختزل رمضان معانيه الكبرى اجتماع على الطاعة، تضامن بلا ضجيج، وإيمان يتجدد كل ليلة، هكذا يتحول مسجد الامير عبد القادر الى قلب نابض بالحياة الروحية، ومنارة تستقطب كل من يبحث عن لحظة صفاء في زمن تتسارع فيه الايقاعات.







