كان اقتراب عيد الفطر في السنوات الماضية يشبه ولادة الفرح في كل زاوية من المدينة. قبل العيد بأيام، كانت الشوارع تلبس ألوانا من الضوء، وتتعانق زينة العيد بين البيوت والمحلات، وكأن السماء نفسها نزلت لتشارك الناس احتفالهم.
في الأسواق، كان المشهد مختلفا تماما عمّا هو اليوم. أصوات الباعة ترتفع، وضحكات الأطفال تملأ المكان، والآباء يتنقلون بين المحلات وهم يحملون أكياس الملابس الجديدة لأطفالهم. كانت عيون الصغار تلمع وهم يختارون قمصانهم وأحذيتهم، كأنهم يختارون قطعة من الحلم.
أما في البيوت، فكانت الأمهات منشغلات بتحضير كعك العيد والمعمول. رائحة الحلويات كانت تتسلل من بيت إلى آخر، فتعلن للجميع أن العيد بات قريبا. الأطفال بالكاد ينامون في ليلة العيد، يضعون ملابسهم الجديدة قرب وسائدهم، وينتظرون الصباح بشوق لا يشبهه شوق.
كان العيد يوما يولد فيه الفرح من جديد.
لكن هذا العام..عندما نظرت إلى الشارع، لم أرَ شيئا من ذلك.
لا زينة تلمع فوق الطرقات، ولا ازدحام يملأ الأسواق. المحلات مفتوحة، لكنها تبدو كأنها تقف بصمتٍ ثقيل. الوجوه التي تمرّ أمامها ليست كما كانت؛ فيها تعب طويل، وفي العيون حزن لا يمكن إخفاؤه.
تذكرت كيف كانت المدينة قبل سنوات قليلة فقط. كيف كانت تمتلئ بالحياة. كيف كان الأطفال يركضون في الأسواق بفرحٍ بريء، وكيف كان الآباء يشترون لهم الملابس بقلوبٍ مليئة بالحب.
أما اليوم، فالمدينة تبدو وكأنها تحاول أن تتذكر الفرح… لكنها لا تستطيع.
هذا هو العيد الثالث الذي يأتي علينا بينما العدوان والقصف ما زالا مستمرين. ثلاثة أعياد مرّت، وكل واحد منها كان أثقل من الذي قبله. أصوات الانفجارات سرقت من الشوارع ضحكات الأطفال، والخوف صار ضيفا دائما في البيوت.
حتى الأسواق التي كانت قلب الحياة أصبحت حزينة، كأنها تشتاق إلى تلك الأيام التي كان الناس يأتون إليها بقلوب خفيفة وأحلام بسيطة.
ورغم كل ذلك…ما زال هناك شيء صغير يقاوم في داخلنا.
شيء يرفض أن يموت.
ربما هو الأمل.
الأمل بأن يأتي يوم تعود فيه الزينة إلى الشوارع، وتعود الضحكات إلى الأطفال، ويخرج الناس إلى الأسواق بلا خوف. يوم نستقبل فيه عيد الفطر كما كنّا نفعل دائما: بقلوب مطمئنة وابتسامات صادقة.
نحن لا نريد عيدا كبيرا…
نريد فقط عيدا فيه أمان.
عيدا ينام فيه الأطفال بلا خوف.
عيدا تعود فيه الحياة كما كانت.
عيدا…لا يشبه هذا الصمت الثقيل.






