قَبْلَ اخْتِراعِ الوَقْتِ..كُنْتِ مَكاني
وقَبْلَ ارْتِباكِ النُّطْقِ..كُنْتِ بَياني
أنا لَسْتُ أَمْدَحُ طِيبَةً مَعْروفَةً
بَلْ أَسْتَعيدُ مَلامِحَ الأَكْوانِ..
أمي..
يا أوَّلَ المَعْنى..وآخِرَ مَلْجَأٍ
يا فِكْرَةً خَلَتْ مِنَ النُّقْصانِ
أنتِ التي رَتَّبْتِ فَوْضى عالَمي
وهَدَيْتِني لِلضَّوْءِ دُونَ عِيانِ
أمي..
خُيوطُ صَبْرِكِ..لَيْسَ يُدْرِكُ كُنْهَها
عَقْلٌ، ولا تَصِفُ المَدى كَلِماتي
تَمْشينَ..فَيَخْجَلُ الترابُ لِوَقْعِها
وتُسَبِّحُ الأَشْجارُ في الصَّلَواتِ
أَسْرَرْتِ في جِيناتِ رُوحيَ حِكْمَةً
فَغَدَوْتُ مِنْ صَلْصالِكِ النُّورانِي
حَمَّلْتِني لُغَةَ الغُيُومِ..بَسَطْتِ لِي
أُفُقاً يُحطّمُ قَبْضَةَ السُّجّانِ
أَمّاهُ..يا وَطَناً حَمَلْتُ حُدُودَهُ
في غُرْبَتي..وصَحوتُ في قَسَماتي
أنا قِطْعَةٌ مِنْ صَمْتِكِ السامي..ومن
تَعَبِ السنينِ..وَرِقَّةِ النَّظَراتِ
لا عِيدَ يَكْفي..كَيْ أَرُدَّ قَصيدَةً
أَوْ أَنْحَني لِجَلالِ هذي الذاتِ
أمي..
كَفّاكِ خارِطَةُ المَسافَةِ..كُلَّما
ضَلَّ السَّبيلُ..هَدَتْ خُطى الحَيْرانِ
تَبْنينَ مِنْ صَمْتِ المَواجِعِ مَنْزِلاً
وتُهَدهِدينَ مَخاوِفَ الإنْسانِ
أنتِ الزَّمانُ إذا تَشَظَّى حَاضِري
وأنا امْتِدادُكِ في مَدَى الأَزْمانِ
لوْ جَفَّ حِبْرُ الشِّعْرِ..كُنْتِ قَصيدَةً
تُقْرى بِلا صَوْتٍ..ولا أَوْزانِ
أمي..
فَحُبُّكِ لَيْسَ شُعُوراً يُقَالُ
وَلَكِنَّهُ..جَاذِبِيَّةُ كَوْني!
إذَا جَفَّ زَيْتُ الضِّياءِ بِرُوحي
رَفَعْتِ يَدَيْكِ..فَأَوْرَقَ شاني
تُرِيحِينَ رَأْسِيَ فَوْقَ المَجَرَّةِ
حِينَ يَضِيقُ بِصَدْرِي..كِياني
فَكُوني..صَلاةً بِلا انْقِطاعٍ
وكُوني..حَياةً لِكُلِّ كَياني
أنا مِنْكِ جِئتُ..وإليكِ أَعُودُ
بِحُبٍّ يُجَدِّدُ نَبْضَ الأَماني
فَما العُمْرُ إلا صَدىً لِدُعاءٍ
خَفِيٍّ..جَرى في عُروقِ الزَّمانِ





