قبل ثمانية وسبعين عاما، بدأت واحدة من أكثر المآسي الإنسانية والسياسية استمرارا في العصر الحديث. ففي عام 1948، لم يفقد الفلسطينيون أرضهم فحسب، بل فقدوا مدنهم وقراهم وبيوتهم وحياتهم الطبيعية، بعدما تحوّل مئات آلاف منهم إلى لاجئين تحت وطأة التهجير القسري والحرب. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد النكبة مجرد حدث تاريخي مرتبط بالماضي، بل أصبحت واقعا مفتوحا يعيد إنتاج نفسه جيلا بعد جيل.
لقد حاول المشروع الصهيوني منذ بداياته فرض معادلة تقوم على اقتلاع الفلسطيني من الجغرافيا والذاكرة معا؛ إزالة القرى من الخرائط، تغيير الأسماء، ومحو الرواية الأصلية لصالح رواية القوة المنتصرة. إلا أن ما لم يدركه الكيان الصهيوني طوال العقود الماضية هو أن الشعوب قد تُهجّر من أرضها، لكنها لا تُنتزع بسهولة من تاريخها ووعيها الجمعي.
ولهذا، فإن الفلسطيني حين يحيي ذكرى النكبة في الخامس عشر من أيار، لا يستحضر مجرد ذكرى مؤلمة من الماضي، بل يستحضر مسيرة متواصلة من اللجوء والاقتلاع والصمود. فالمفتاح الذي يحتفظ به اللاجئون الفلسطينيون داخل المخيمات لم يعد مجرد رمز تراثي أو عاطفي، بل تحول إلى تعبير سياسي وإنساني عن حق تاريخي لم يسقط بالتقادم، وعن رواية ما زالت حيّة رغم كل محاولات الطمس والتشويه.
النكبة الفلسطينية لم تتوقف فعليا منذ عام 1948، بل تبدّلت أشكالها وأدواتها. فما جرى قبل عقود من تهجير جماعي وتدمير للقرى ومصادرة للأرض، يتكرر اليوم بصورة أكثر قسوة في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس. وفي غزة تحديدا، تبدو المأساة وكأنها امتداد مباشر للنكبة الأولى؛ أحياء كاملة تُدمّر، وعائلات تُهجّر للمرة العاشرة، وأطفال يبحثون عن الماء والغذاء وسط الركام، في مشهد يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون أمام أنظار العالم.
وعلى مدار سنوات طويلة، حاول الكيان الصهيوني اختزال القضية الفلسطينية في بعدها الإنساني والإغاثي، عبر تقديم الفلسطيني بوصفه “لاجئا يحتاج إلى المساعدة؛، لا شعبا يخوض نضالا وطنيا من أجل الحرية والاستقلال والعودة. غير أن الفلسطينيين، رغم الحصار والانقسام والخذلان الدولي، حافظوا على جوهر قضيتهم باعتبارها قضية تحرر وطني لشعب يطالب بإنهاء الاحتلال وتجسيد حقوقه الوطنية المشروعة.
ورغم اختلال موازين القوة العسكرية والسياسية، أثبت الفلسطيني أن الهوية الوطنية يمكن أن تكون أقوى من الجغرافيا المفروضة بالقوة. فالمخيمات لم تتحوّل إلى مقابر للذاكرة، بل أصبحت مساحات لحماية الرواية الوطنية وإعادة إنتاجها، فيما تحولت الحكايات التي تناقلها الآباء والأجداد إلى وعي سياسي وثقافي متجذر لدى الأجيال الجديدة.
وفي الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة، يبدو المشهد الدولي مختلفا عمّا كان عليه في العقود السابقة، فالحرب على غزة أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة النقاش العالمي، ودفعت ملايين البشر حول العالم إلى إعادة النظر في الرواية الصهيونية التي هيمنت طويلا على الإعلام والسياسة الغربية. ولم تعد فلسطين قضية تخص الفلسطينيين والعرب وحدهم، بل تحوّلت إلى رمز عالمي للنضال ضد الاحتلال والعنصرية والتمييز.
وفي هذا السياق، اكتسبت مواقف شخصيات عالمية وفنية ورياضية أهمية خاصة، لأنها عكست التحوّل المتزايد في الرأي العام العالمي، خصوصا بين الأجيال الشابة. وكان من أبرز هذه المشاهد رفع اللاعب الإسباني الشاب لامين يامال لعلم فلسطين، في لحظة رمزية أثارت تفاعلا واسعا، وأظهرت حجم القلق الصهيوني من اتساع التأييد الشعبي العالمي للرواية الفلسطينية.
لكن إحياء ذكرى النكبة لا يجب أن يتحول إلى مناسبة عاطفية أو خطاب سنوي يتكرر دون أثر سياسي حقيقي. فالتحدي الأكبر اليوم يكمن في تحويل الذاكرة الوطنية إلى مشروع سياسي موحد، يعيد الاعتبار للوحدة الداخلية والمؤسسات الوطنية الفلسطينية، ويعزز الموقع السياسي والقانوني والتمثيلي لـ منظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية وتشاركية، باعتبارها الإطار الوطني الجامع للشعب الفلسطيني.
بعد 78 عاما، ما زال الفلسطيني يخسر البيوت والأرض والأمان، لكنه لم يخسر الرواية. وهذه ربما تكون الحقيقة الأكثر إرباكا لكل محاولات الإلغاء والمحو؛ فالشعب الذي تعرض للتشتيت والحروب والحصار، ما زال قادرا على التمسك بحقوقه الوطنية وهويته الجماعية، وعلى إعادة تعريف نفسه أمام العالم، ليس بوصفه ضحية دائمة، بل كشعب يقاوم من أجل الحياة والحرية والكرامة.
وفي عالم تتكرر فيه مشاهد النزوح والدمار أمام عدسات الكاميرات، تبقى النكبة الفلسطينية جرحا مفتوحا في الضمير الإنساني، لكنها تبقى أيضا شاهدا حيا على أن الشعوب قد تُهزم عسكريا أو تُحاصر سياسيا، لكنها لا تختفي ما دامت متمسكة بذاكرتها وحقها في العودة والاستقلال.







