في لحظة تبدو فيها المنطقة العربية غارقة في ضجيج الأحداث، تتسلّل مفارقة صادمة بهدوء قاتل: فلسطين، التي كانت يوما بوصلة الوعي الجمعي، تغيب تدريجيا عن أعين الإعلام. ليس غيابا عفويا، ولا نتيجة تراجع موضوعي في الأحداث، بل هو غياب مركّب، تُصنع شروطه بعناية، وتُعاد هندسة أولوياته ضمن سردية جديدة تُعيد ترتيب العدو، وتُعيد تعريف الصديق.
تفكيك الظاهرة يقتضي النظر إلى الإعلام لا بوصفه ناقلا محايدا للواقع، بل باعتباره فاعلا بنيويا في تشكيله. فحين تختفي القضية الفلسطينية من نشرات الأخبار، ومن واجهات التحليل، ومن برامج الرأي، فإن ذلك لا يعني ان فلسطين هدأت، بل يعني ان هناك قرارا ضمنيا او صريحا بإزاحتها من مركز الصورة. وهذا الإزاحة ليست بريئة؛ إنها تعبير عن تحولات أعمق في البنية السياسية والاقتصادية والثقافية للمنطقة.
لقد جرى خلال السّنوات الأخيرة، إعادة تعريف “القضية المركزية”. لم تعد فلسطين هي المعيار الذي تُقاس عليه المواقف، بل أصبحت مجرد ملف ضمن ملفات متعددة، قابلة للتأجيل، أو حتى للمساومة. وفي هذا السياق، يعمل الاعلام بوصفه اداة لإعادة ترتيب الوعي؛ حيث تُضخم قضايا، وتُهمش أخرى، وفق منطق يخدم توازنات معينة، لا حقائق الصراع.
هنا، يبرز السّؤال الجوهري: هل يخدم هذا الغياب بنيامين نتنياهو؟
الإجابة، في بعدها التفكيكي، تتجاوز نعم أو لا، لتكشف شبكة مصالح معقدة. فنتنياهو، الذي بنى مشروعه السياسي على إدارة الصراع لا حلّه، يدرك تماما أن أخطر ما يواجهه ليس الصواريخ، بل الوعي. وغياب فلسطين عن الإعلام يعني، ببساطة، تآكل هذا الوعي، وتفريغ القضية من بعدها الاخلاقي والانساني.
حين لا تُعرض صور الضحايا، ولا تُروى قصص الحصار، ولا يُكشف منطق الاحتلال، يتحول الكيان الصهيوني من كونه مشكلة الى كونه “واقعا طبيعيا”. وهذا التحول هو بالضبط ما يسعى اليه نتنياهو: تطبيع الوجود، لا فقط على مستوى العلاقات السياسية، بل على مستوى الوعي الجمعي.
إن أخطر ما في هذا الغياب أنه لا يُقدّم نفسه كخيانة صريحة، بل كـ “انشغال مبرر”. تُقال العبارات الجاهزة: “لدينا قضايا داخلية”، “المنطقة تعيش تحوّلات”، “الأولويات تغيرت”. لكنها، في جوهرها، ليست سوى آليات لغوية لتبرير الانسحاب من مركز الصراع، وتحويل فلسطين الى هامش.
وفي هذا الإطار، يتكامل دور الإعلام مع خطاب سياسي أوسع، يعيد صياغة العدو. فبدلا من أن يكون الاحتلال هو العدو المركزي، تُصنع أعداء بديلة، داخلية أو اقليمية، تُستنزف فيها الطاقات، وتُبدد فيها البوصلة. وهنا يتحقق لنتنياهو ما هو أخطر من النصر العسكري: نصر في تعريف المعركة نفسها.
لكن، هل يعني ذلك أن الوعي العربي قد انهار؟
ليس تماما. فثمة مقاومة صامتة لهذا التهميش، تظهر في لحظات الانفجار، حين تعود فلسطين فجأة الى الواجهة، بقوة الحدث وصدقه. غير أن هذه العودة تبقى موسمية، مرتبطة بالدم لا بالتحليل، وبالصدمة لا بالاستمرارية. وهذا ما يجعلها، رغم أهميتها، عاجزة عن بناء وعي مستدام.
إنّ التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إعادة فلسطين إلى الشاشات، بل في إعادتها إلى موقعها كمرجعية تحليلية، أي أن تُقرأ الاحداث، مهما تنوعت، من زاوية علاقتها بالصراع مع الاحتلال. وهذا يتطلب إعلاما مختلفا، لا يكتفي بنقل الخبر، بل يعيد بناء السياق، ويكشف البنية، ويقاوم السرديات المفروضة.
في المحصلة، يمكن القول إن غياب القضية الفلسطينية عن عيون الاعلام ليس حدثا عرضيا، بل هو نتيجة مسار طويل من إعادة تشكيل الوعي. وهو في الوقت ذاته، مكسب استراتيجي لنتنياهو، الذي يجد نفسه في فضاء اعلامي أقل عداء، وأكثر استعدادا لتقبل روايته، أو على الاقل لتجاهل ما يناقضها.
غير أنّ هذا المكسب يظل هشّا، ما دام قائما على الغياب لا على الاقتناع. ففلسطين، بحكم طبيعة قضيتها، تملك قدرة دائمة على العودة، وعلى فرض نفسها، كلّما ظن البعض أنّها اختفت. والسؤال الذي يبقى مفتوحا: هل سيبقى الإعلام أسيرا لهذه المعادلة، أم أنّه سيستعيد دوره كحارس للذّاكرة لا كأداة لنسيانها؟




