أشعلت القفزات المتواصلة في أسعار النفط موجة ضغوط واسعة على الأسواق الأوروبية، مع انتقال أثرها سريعاً من شركات الطاقة إلى بقية قطاعات الاقتصاد، في ظل استمرار المواجهة في المنطقة واضطرابات الشحن وتعطل سلاسل الإمداد، نتيجة شلل حركة الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر عبره خمس إمدادات الطاقة العالمية.
حذّرت شركة «بلاك روك» وهي أكبر شركة لإدارة الأصول في العالم ومقرها نيويورك، من أنّ ارتفاع تكاليف الطاقة بدأ يضغط مباشرة على أرباح الشركات وقدرة المستهلكين الشرائية، تزامناً مع تراجع جاذبية الأسهم الأوروبية وتحول تدفقات الاستثمار نحو الولايات المتحدة، مع تسجيل تراجع في المؤشرات الأوروبية واتساع خسائر القطاعات المرتبطة بالاستهلاك، مقابل مكاسب محدودة لشركات النفط، ما يعكس تحول أسعار الطاقة إلى عامل ضغط شامل على السوق والاقتصاد الأوروبيين.
وقالت كبيرة مسؤولي الاستثمار للأسهم الأساسية الدولية في شركة بلاك روك، هيلين جيويل، إنّ «من الصعب أن نكون إيجابيين تجاه أوروبا كما كنا من قبل»، مشيرة إلى أنّ ارتفاع أسعار الطاقة يضغط على أرباح الشركات والقدرة الشرائية للمستهلكين. وأضافت أن فجوة التقييم بين الأسهم الأوروبية والأميركية تقلصت، قائلة: «قبل عام، كانت هناك فجوة تقييم جذابة جداً بين أوروبا والولايات المتحدة. هذه الفجوة أُغلقت الآن».
وتزامنت هذه التصريحات مع هبوط الأسهم الأوروبية مع افتتاح تداولات الاثنين، في ظل تزايد قلق المستثمرين من هشاشة وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران. وفي المقابل، أظهرت البيانات تباينا قطاعيا داخل السوق الأوروبية. إذ ارتفعت أسهم الطاقة بنسبة 1.9 % في الجلسة نفسها مع صعود أسعار النفط، بينما تراجعت أسهم السفر والترفيه بنسبة 2 %، وانخفضت أسهم البنوك والسيارات بنسبة 1.8 % لكل منهما، وهو ما يكشف تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على القطاعات المختلفة، حيث تستفيد شركات النفط من ارتفاع الأسعار، في حين تتضرّر القطاعات المرتبطة بالاستهلاك والنقل. وقال مراقبون، إنّ أسعار النفط المرتفعة لا تزال تلقي بظلالها على الاقتصادات الأوروبية التي تعتمد بشكل كبير على الطاقة، ممّا يبقي المستثمرين في حالة من الحذر.
هشاشـة الاقتصـاد الأوروبي
تكمن هشاشة الاقتصاد الأوروبي في الطاقة، فعلى خلاف الولايات المتحدة، تعد أوروبا «متلقية للأسعار» بالمعنى التقليدي في مواجهة صدمات إمدادات الطاقة العالمية، فهي غير قادرة على تحديد الأسعار بشكل مستقل ومضطرة إلى امتصاص الضغوط التضخمية المستوردة بشكل سلبي. وفي وقت سابق من هذا العام، كانت الأسهم الأوروبية إحدى أبرز الوجهات العالمية لتدفّقات رؤوس الأموال. ومع ارتفاع تقييمات أسهم التكنولوجيا الأمريكية، بحث المستثمرون عن بدائل، ما أدّى إلى تدفقات قياسية إلى صناديق الأسهم الأوروبية، غير أن ديناميكيات السوق تبدلت بشكل حاد بعد اندلاع الحرب في المنطقة.

