في القضايا الكبرى، لا يكفي أن تكون الحقيقة عادلة، بل يجب أن تُعاد صياغتها باستمرار حتى لا تفقد حضورها في الوعي. فالقضية الفلسطينية، رغم رسوخها التاريخي، ليست بمنأى عن خطر التآكل الرمزي؛ ذلك الخطر الذي يحوّل المأساة إلى خبر، والإنسان إلى رقم، والوجع إلى اعتياد. من هنا، يصبح الفعل الجماهيري ليس مجرد استجابة، بل ضرورة تأصيلية لإعادة إنتاج المعنى السياسي والإنساني للقضية.
إن التأصيل، في هذا السياق، لا يعني العودة إلى الجذور فحسب، بل إعادة تفعيلها في الحاضر. فكل فعل نضالي، من مسيرة إلى شعار، هو في جوهره محاولة لإعادة تعريف القضية، لا بوصفها حدثًا تاريخيًا، بل كحالة مستمرة من الصراع على الإنسان ذاته. حين يخرج الناس إلى الشارع دفاعًا عن الأسرى، فهم لا يستحضرون معاناة غائبة، بل يعيدون إدخالها في المجال العام، لتصبح جزءًا من الوعي اليومي، لا مجرد ذكرى موسمية.
هذا الفعل يعيد ترتيب العلاقة بين الفرد والقضية. فبدل أن يكون الإنسان متلقيًا للخبر، يصبح مشاركًا في صناعته. وبدل أن تكون القضية موضوعًا يُناقش، تتحوّل إلى تجربة تُعاش. هنا، يتحوّل الحضور من حالة فيزيائية إلى موقف أخلاقي، ومن مشاركة عابرة إلى انخراط وجودي. إن الوجود في الميدان لا يعني فقط التواجد، بل يعني إعلان الانتماء، وتحمل مسؤولية المعنى.
وفي البعد السياسي، يمثل هذا الفعل انتقالًا من منطق التلقي إلى منطق الفعل، فالقضية الفلسطينية لم تعد فقط بحاجة إلى من يدافع عنها، بل إلى من يعيد صياغتها في مواجهة محاولات التشويه والتفريغ. حين يُرفع شعار “حرير الأسرى” مقرونًا برفض “قانون الإعدام”، فإن الخطاب لا يكتفي بوصف الواقع، بل يستهدف بنيته. إنه لا يواجه النتيجة، بل يذهب إلى الجذر، إلى القانون الذي يحاول أن يمنح القمع شرعية زائفة.
هذا التحول يعكس وعيًا متقدمًا بطبيعة الصراع، حيث لم يعد الصدام عسكريًا أو سياسيًا فقط، بل أصبح صراعًا على المعنى. من يملك القدرة على تعريف الواقع، يملك القدرة على توجيه الوعي. ولذلك، فإن إعادة إنتاج المعنى تصبح فعل مقاومة بحد ذاته، يوازي في أهميته أي شكل آخر من أشكال النضال.
أما في المستوى الإنساني، فإن هذا الفعل يعيد الاعتبار للإنسان بوصفه مركز القضية. فالأسير، في ظل الخطابات الباردة، قد يتحول إلى رقم في إحصائية، أو ملف في تقرير. لكن حين يُستحضر في الشارع، باسمه، بصورته، بقصته، فإنه يستعيد إنسانيته المسلوبة. الفعل الجماهيري هنا لا يحرر الجسد فقط، بل يحرر المعنى، يعيد للإنسان حضوره، ويكسر محاولات اختزاله.
كما أن هذا الفعل يواجه خطر “تطبيع الألم”، ذلك الخطر الذي يجعل المعاناة مألوفة إلى حد فقدان تأثيرها. عبر التكرار الواعي للفعاليات، وعبر تجديد الخطاب، يتم كسر هذا الاعتياد، وإعادة شحن القضية بطاقة وجدانية جديدة. إن الذاكرة هنا لا تُحفظ فقط، بل تُفعل، تُعاد كتابتها في كل مرة، وتُحمى من النسيان.
ومن زاوية أعمق، يمكن النظر إلى هذا الفعل بوصفه إنتاجًا رمزيًا مضادًا. ففي ظل اختلال موازين القوة المادية، يصبح الرمز أداة مركزية في الصراع. المسيرة، الشعار، الحضور، كلها تتحول إلى وسائل لإعادة التوازن، ليس في الواقع المباشر، بل في وعيه. إنها معركة على الصورة، على الرواية، على تعريف من هو الضحية ومن هو الجلاد.
وهنا، يتجلى البعد الفلسفي للتأصيل: المعنى لا يُعطى، بل يُبنى. لا يوجد خارج الفعل، بل يتشكل من خلاله. الشارع، في لحظة الاحتشاد، يصبح نصًا حيًا، تُكتب فيه القضية بالأجساد لا بالحبر، وتُصاغ فيه الدلالات عبر الحركة لا عبر الكلمات فقط. إنه فضاء لإنتاج الحقيقة، لا مجرد التعبير عنها.
في المحصلة، لا يمكن فهم الفعل الجماهيري في سياق القضية الفلسطينية إلا بوصفه عملية مستمرة لإعادة إنتاج المعنى السياسي والإنساني. إنه فعل يحمي القضية من التآكل، ويعيد مركزية الإنسان فيها، ويؤكد أن الحرية ليست فكرة مجردة، بل تجربة تُبنى في كل مرة يختار فيها الناس أن يكون حضورهم موقفًا، وصوتهم معنى، وصمتهم… مستحيلًا.






