التكنولوجيـا واقع تفرضـه التحولات الاقتصادية الكــبرى
لا خيار أمـام الفاعلين سوى مواكبة “النقلــة الرقميـة”
يعتبر مدير الدراسات والتطوير الجهات الأربع للأسفار، فرع النادي السياحي الجزائري، محمد بودالي، أن الاستعانة بالرقمنة وتوظيف التكنولوجيات الحديثة في التطوير والرقي بالسياحة في الجزائر الآن، أصبح واقعا ملموسا وتوجها تفرضه العصرنة والتحوّلات الاقتصادية الكبرى التي تعيشها الجزائر المنتصرة، مشيرا من خلال الحوار الذي خص به «الشعب» إلى أهمية إلمام كل الفاعلين في المجال بهذه النقلة النوعية.
– الشعب: ما واقع السياحة اليوم في الجزائر في ظل التحوّلات الاقتصادية واستراتيجية تطوير التنمية المحلية؟
محمد بودالي: يشهد القطاع السياحي في الجزائر تسارعا غير مسبوق، لا سيما في المرحلة التي تلت جائحة كوفيد-19، فقد أعاد الجزائريون اكتشاف ثرواتهم الوطنية، وتجلى ذلك في تنامي ثقافة «السياحة الداخلية» عبر رحلات التخييم، والتجوال، وزيارة المواقع الأثرية والمعالم التاريخية.. هذه الديناميكية لم تقتصر على المواطنين فحسب، بل تعززت بتركيز كبير من قِبل المؤثرين الجزائريين والأجانب الذين سلطوا الضوء على المقوّمات الفريدة للجزائر، ما أكد مكانة الجزائر بوصفها «آخر كنز سياحي مخفي في حوض البحر الأبيض المتوسط»، وتندرج هذه الحيوية ضمن رؤية الدولة لتنويع الاقتصاد وتفعيل التنمية المحلية كبديل استراتيجي مستدام للمحروقات.
– كيف تخدم الرقمنة تنمية وتطوير القطاع السياحي؟
تتدخل التكنولوجيا كعنصر جوهري في صياغة التجربة السياحية عبر ثلاث محطات أساسية، أولا قبل الرحلة من خلال إثارة الرغبة في السفر وتسهيل عمليات البحث، المقارنة، وحجز البرامج السياحية بكل مرونة، ثانيا أثناء الرحلة عبر توظيف تقنيات «الواقع المعزز» (Augmented Reality) و»إنترنت الأشياء» (IoT)، مما يجعل التجربة السياحية تفاعلية، ممتعة، وأكثر ثراء بالمعلومات، وثالثا بعد الرحلة من خلال مشاركة المحتوى السياحي والآراء على المنصات الرقمية، مما يساهم في بناء سمعة الوجهة ويحفز دورات سياحية جديدة لزوار محتملين.
– هل تقتصر الرقمنة على الترويج عبر مواقع التواصل الاجتماعي أم تتعدى ذلك لصنع محتوى سياحي رقمي متكامل؟
لم يعد التسويق الرقمي السياحي مجرد عملية ترويج عبر الإنترنت، فقد أصبح انصهارا للمسار السياحي كاملا، بدءا من صياغة الفكرة وصولاً إلى استهلاك الخدمة. نحن نتحدث اليوم عن التصميم المشترك» للرحلة، حيث تحوّلت العلاقة بين السائح والمتعامل السياحي من علاقة أحادية الاتجاه إلى شراكة تعاونية حقيقية، فالسائح اليوم هو «سفير للوجهة» وصانع لمحتواها، مما يحقق فوائد متبادلة ترفع من جودة المنتج السياحي وتضمن استدامته وتنافسيته الرقمية.
– ماذا عن التكوين وهل يشمل كل الفاعلين في قطاع السياحة (وكالات، فنادق، مرشدين، مجتمع مدني..)؟
من الطبيعي جدا أن يرافق هذا التحوّل السريع طبقات متعددة من التكوين والتأهيل على كافة مستويات السلسلة السياحية. الهدف هو تمكين كل حلقة – من فنادق، ووكالات سياحية، ومرشدين، ومدارس فندقة، وصولاً إلى المجتمع المدني – من استغلال التكنولوجيات الحديثة لضمان «تحول رقمي» سلس. وفي هذا الصدد، باشرت وزارة السياحة والصناعة التقليدية تنظيم دورات تكوينية وتحسيسية شملت مناطق الشرق والجنوب الشرقي، وستمتد قريباً لتشمل مناطق أخرى. وهي المبادرات التي نُدعى للمشاركة فيها بانتظام لمشاركة معارفنا وخبراتنا الميدانية، سعياً لربط كافة الفاعلين بنظام بيئي رقمي متكامل.
– إذا تحدثنا عن المحتوى الرقمي، فلا بد من الإشارة إلى حماية المستهلك؛ فهل الترسانة القانونية الحالية تفي بالغرض، خاصة فيما يتعلق بخصوصية البيانات؟
من البديهي أن الاعتماد الواسع على التكنولوجيات الرقمية يولد كمّا هائلا من البيانات، بما في ذلك البيانات ذات الطابع الشخصي، لذا، فإن أي معالجة لهذه المعطيات يجب أن تتم في إطار الامتثال التام للتشريعات السارية، ولا سيما القانون رقم 18-07 المتعلق بحماية الأشخاص الطبيعيين في مجال معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي. إن الالتزام بهذا الإطار القانوني لا يهدف فقط إلى ضمان أمن وخصوصية بيانات المستخدم (السائح)، بل يعد ركيزة أساسية لتعزيز الحوكمة السيبرانية في الجزائر وحماية السيادة الرقمية الوطنية في ظل الانفتاح السياحي.
– كيف يمكن توظيف الرقمنة لتشجيع السياحة المحلية، وهل نحن بصدد التأسيس لمؤسسات اقتصادية قائمة بذاتها تستثمر في هذا المجال؟
تعمل الرقمنة كمحرك أساسي لتحويل السياحة المحلية من نشاط تقليدي إلى قطاع اقتصادي مهيكل، ونحن نشهد اليوم بزوغ نظام بيئي (Ecosystem) متكامل، حيث لم تعد الوكالات السياحية تكتفي بالطرق الكلاسيكية، بل انخرطت في الرقمنة منذ أكثر من عقد عبر منصات الحجز الإلكتروني الأولى. ما كان يُعتبر «سوقاً ضيقة» قبل سنوات، أصبح اليوم هو الواقع المهيمن والمسار الحتمي لمستقبل السياحة في الجزائر. هذا التحول يدفع نحو تأسيس كيانات اقتصادية تعتمد كليا على التكنولوجيا لتقديم خدمات سياحية احترافية موجهة للمواطن الجزائري أولا.
– ماذا عن تشجيع المؤسسات الناشئة في الاستثمار السياحي، وهل الأرضية جاهزة لاستقبال مشاريع الشباب؟
تتوجه سياسة الدولة اليوم بقوة نحو دعم المقاولاتية والمبادرات الشبابية، ويعد قطاع السياحة من أكثر المجالات استقطابا لهذا التوجه.. إن الأرضية السياحية في الجزائر لا تزال «بِكرا»، مما يفتح آفاقا واسعة أمام المواهب الشابة لإطلاق مشاريع مبتكرة تشمل الترويج الرقمي للوجهات المحلية بأساليب عصرية، تطوير نماذج «الاقتصاد التشاركي» (بما يماثل نموذج AirBnB ولكن بخصوصية جزائرية) وتطبيقات حجز التذاكر، الفنادق، والفعاليات الثقافية، والمتاجر الإلكترونية المتخصصة في تسويق منتجات الصناعة التقليدية، مع العلم أن الدولة تشجع هذه المبادرات لكونها تُحمل من قِبل جيل من «المواطنين الرقميين» (Digital Natives) الذين يمتلكون المهارات اللازمة لرقمنة القطاع وجعله أكثر حيوية وعصرنة.







