يحتضن قصر حسين داي بالجزائر العاصمة فعاليات “شهر التراث” لسنة 2026، في تظاهرة ثقافية شاملة، تنظم تحت شعار “تراثنا.. حضارتنا”، حيث يتجدّد اللقاء بين الذاكرة الجماعية ورهانات الحاضر، في سياق يهدف إلى تعزيز الوعي بأهمية حماية الموروث الثقافي وتثمينه باعتباره أحد ركائز الهوية الوطنية.
يتميز البرنامج المقام خلال شهر التراث بتنوّعه وغناه، إذ يجمع بين المعارض الفنية والتوثيقية، والورشات التربوية، والندوات الفكرية، إلى جانب أنشطة تفاعلية موجهة لمختلف شرائح المجتمع.
وتفتح المعارض المنظمة ضمن هذه التظاهرة آفاقا واسعة على مختلف تجليات التراث المادي واللامادي، من خلال عرض الصناعات التقليدية التي تعكس مهارة الحرفيين الجزائريين، والفنون التشكيلية التي تستلهم روح المكان والذاكرة، إضافة إلى صور ووثائق تاريخية تعيد إحياء ملامح من الحياة الاجتماعية والثقافية لمدينة الجزائر، عبر فترات زمنية مختلفة، وبهذا، يتحوّل المعرض إلى فضاء بصري تأملي يعيد قراءة الماضي برؤية معاصرة تجمع بين التوثيق والجماليات الفنية.
وفي نفس السياق، يراهن البرنامج على البعد التشاركي من خلال تنظيم ورشات تكوينية وتربوية تستهدف خصوصا فئة الأطفال والناشئة، بهدف ترسيخ الصلة بينهم وبين تراثهم الثقافي.
وتقوم هذه الورشات على مقاربة تجمع بين التعلّم والتجريب، حيث يتمّ تشجيع الإبداع وتنمية الحس الفني عبر أنشطة تطبيقية تسهم في نقل المعارف بطريقة مبسطة وتفاعلية، تجعل من التراث تجربة حية قابلة للاكتشاف والممارسة.
كما يحتل البعد الأكاديمي موقعا محوريا ضمن هذه التظاهرة، من خلال برمجة سلسلة من المحاضرات والندوات العلمية التي يشارك فيها أساتذة وباحثون مختصون في مجالات التراث والتاريخ والعمارة والثقافة.
وتتناول هذه اللقاءات قضايا جوهرية، من بينها سبل حماية التراث المعماري من الاندثار، ودور الرقمنة في حفظ الذاكرة الجماعية، إضافة إلى الإشكالات المرتبطة بتثمين التراث في ظلّ التحولات الاجتماعية والاقتصادية المعاصرة. وتبرز هذه النقاشات أهمية البحث العلمي في دعم السياسات الثقافية وتعزيز الوعي المجتمعي بقيمة الموروث الحضاري.
ومن بين المحاور الأساسية التي يسلّط عليها الضوء أيضا “العلاقة الجدلية بين التراث والتنمية”، حيث يتمّ التأكيد على ضرورة إدماج البعد التراثي ضمن الاستراتيجيات التنموية، بما يحوّل الموروث الثقافي إلى مورد اقتصادي وثقافي مستدام، يسهم في تنشيط السياحة الثقافية ودعم الاقتصاد المحلي، بدل حصره في طابعه الرمزي أو الاحتفالي فقط.
كما يتمّ استعراض تجارب ميدانية ناجحة في إعادة تأهيل المعالم التاريخية وإحياء الفضاءات التراثية، بما يعزّز حضورها في الحياة اليومية ويعيد ربط المجتمع بمحيطه التاريخي.





