في حضرة شهر التراث، تجدّدت الفرص الثمينة للاستمتاع بكنوز التقاليد الجزائرية المتنوّعة والوقوف مرة أخرى على ملامح الذاكرة الجماعية واستحضار ألق الحضارة الجزائرية الأصيلة الضاربة في جذور التاريخ، حيث احتضن قصر الداي حسين فعاليات ثقافية رائعة أبرزت ثراء التراث الجزائري وتنوّعه، ومنحت الكلمة للمبدعين الذين حملوا على عاتقهم مهمة توثيقه وصونه.
ومن بين هذه الأصوات الشاهدة، نذكر الأمسية الثقافية التي نشّطتها الكاتبة والشاعرة فوزية لارادي التي جعلت من أعمالها مرآة صادقة تعكس تفاصيل الحياة العاصمية، خاصة في القصبة، بما تحمله من عادات وتقاليد ضاربة في عمق التاريخ. هذه الجلسة الثقافية التي نظمت للكاتبة لارادي في إطار إحياء شهر التراث، جاءت كرحلة في ذاكرة المكان وحياة الإنسان، حيث تلاقى الحضور على اختلاف أجيالهم حول شغف مشترك، والمتمثل في اكتشاف التراث الجزائري الأصيل والاحتفاء به.
وبرز صوت الكاتبة فوزية لارادي في جلسة إبداعية ممتعة أحيت شغف التذوق بتراث جزائري ساحر ونابض بروح الأصالة، الضاربة في جذور حضارة عريقة. وقد استمتع الحضور من المتذوقين بندوة ثرية وممتعة استعرضت خلالها الكاتبة أعمالها المنشورة، التي أبحرت في عمق التقاليد والتراث الجزائري، من مسرحيات هامة نجحت في جذب المتلقي عند عرضها على خشبة المسرح الوطني الجزائري، إلى إبداعات أدبية وثقتها في كتب كانت عينا أمينة على التراث التقليدي العاصمي.
شهدت الأمسية حضورا واسعا من عشاق الأدب والمهتمين بالتراث، من مختلف الفئات العمرية، من بينهم شباب متعطش لكل ما هو أصيل وصادق، ساعين لاكتشاف المزيد من ملامح التراث الجزائري، خاصة العاصمي، من خلال شهادة وإبداع متفرد للكاتبة والشاعرة فوزية لارادي. ويأتي هذا النشاط ضمن شهر التراث الذي يزخر بحضارة جزائرية متنوعة، ذات خصوصية مميزة وساحرة في آن واحد.
في مستهل اللقاء، قدّمت الكاتبة مؤلفها الصادر منذ سنوات، الموسوم بـ«صور عن القصبة”، والذي تناول جوانب من الحياة في القصبة العتيقة، مستعرضا مختلف التقاليد، المادية واللامادية، بما في ذلك عادات الاحتفال بالأعراس ومختلف المناسبات، في صور تعكس رقي المجتمع وتطوّره في شتى مجالات الحياة. وقد زينت الكاتبة هذا العمل بمقولات تتضمن حكما وأمثالا شعبية معبرة، موضحة السياقات التي تستخدم فيها، خاصة وأن سكان العاصمة، على وجه التحديد، يعرفون بتوظيف الأمثال في ردودهم اليومية، لما تحمله من عمق وبلاغة.
وقد قدّمت هذا الكتاب الكاتبة نفيسة الأحرش بصفتها صاحبة مقدمته، وهو عمل مرشح لأن يظل حاضرا في ذاكرة المكتبة الجزائرية ووجدان وذاكرة القراء المولعين بالتراث الثقافي، سواء المادي أو اللامادي. ورغم أن صدور الكتاب يعود إلى ما يقارب عقدين من الزمن، إلا أنه لا يزال يشد القارئ ويسحره، لما يحمله من توثيق ناصع ومهم لحياة وعادات وتقاليد الجزائريين. وقد صدر هذا العمل عن جمعية المرأة في اتصال بدعم من وزارة الثقافة الجزائرية.
أما المؤلف الثاني الذي عرضته الكاتبة، فتمثل في مسرحية “السطح والنجوم والحروف ساهرة”، التي أصدرتها في كتاب، وتمّ إخراجها وعرضها سنة 2007 على خشبة المسرح الوطني الجزائري، حيث حقّقت آنذاك نجاحا كبيرا وباهرا. وقد ترجمت هذه المسرحية، في مضمونها، تفاصيل الحياة العاصمية، خاصة لدى سكان القصبة، وسعت إلى نقل أواصر الترابط التي كانت تجمع الجزائريين في تلك الفترة، حيث كان الفرح مشتركا بين الجميع، كما كان الحزن، في صورة تعكس روح التضامن والتعاون والوحدة. كما تطرّقت المسرحية، التي تمّ استرجاع بعض فصولها خلال هذه الجلسة، إلى مسألة اختلاف الأجيال، ونسجت قصص حب نابضة بالحياة، تعكس خصوصية تلك المرحلة.
وقد عرفت هذه المسرحية في السابق مشاركة نخبة من سيدات الفن الجزائري، من بينهن بهية راشدي، عايدة كشرود، وفتيحة بربار، إلى جانب مجموعة من الفنانات الشابات. وأكدت الكاتبة فوزية لارادي أن إصدار هذا العمل في كتاب جاء بهدف إبقائه حيا نابضا في المكتبة الجزائرية لعقود طويلة، حتى تتعرّف الأجيال القادمة على أساليب حديث أهل العاصمة وسكان القصبة، وعاداتهم، وخياراتهم، وكيف كانت تفاصيل حياتهم في الماضي. لأن الكتاب، كما أشارت، يظل شاهدا حيّا يتجاوز الزمن، خاصة بالنسبة للباحثين والمهتمين، ومع مواكبة التطور التكنولوجي، يمكن توفيره كذلك في كتب رقمية، كالأقراص المضغوطة، ليكون في متناول كل من يبحث عن رحلة أصالة شيقة.
وقد أظهر الحضور، خاصة من فئة الشباب، اهتماما كبيرا وانجذابا لهذا السرد الغني، في يوم مميز من أيام شهر التراث. وكان اللقاء الثقافي جامعا لمختلف الأجيال، وامتد في أمسية رائعة إلى وقت متأخر، في حضرة قصر الداي حسين وعبق التاريخ الذي أضفى على النقاشات بعدا ساحرا، وسط حوار ثري يعكس شغفا حقيقيا بالتراث الجزائري وتعطشا لمعرفة المزيد ما لا تزال الذاكرة والكتب التاريخية تسرده في شهاداتها.





