نميري لـ”الشعب”: الجزائر بوابة إفريقيا لتركيا وأنقرة شريك موثوق لتنويع اقتصادنا
شهدت العلاقات الجزائرية التركية خلال السنوات الخمس الأخيرة قفزة نوعية، حيث انتقلت من مجرد تعاون تقليدي إلى شراكة استراتيجية شاملة، تعكس رغبة البلدين في بناء قطب اقتصادي وسياسي قوّي في منطقة حوض المتوسط. وهي اليوم، تمثل نموذجا لـ “تحالف القوى الصاعدة” في المتوسط.
توّج التعاون الجزائري التركي المتنامي، بحدث تاريخي في الفترة من 6 إلى 8 ماي 2026، وهو انعقاد الدورة الأولى لـ«مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى” في أنقرة، برئاسة الرئيسين عبد المجيد تبون ورجب طيب أردوغان. وأظهر الرئيسان توافقا كبيرا في الملفات الإقليمية، وفقا لمقتضيات ميثاق الأمم المتحدة وقرارات الشرعية الدولية، خاصة الدفاع عن القضية الفلسطينية، حيث شددا على حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وإنهاء دوامة العنف في منطقة الشرق الأوسط، التي يتسبب فيها الاحتلال الصهيوني باعتداءاته المتكررة على دول المنطقة وخرق قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، كما شددا على السعي للحل السلمي في ليبيا، وحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير وتعزيز الاستقرار في منطقة الساحل الإفريقي.
تعـــــــــــاون اقتصــــــــــــادي يتعــــــــــــزّز
من جهة أخرى، تجسد التوافق المتميز بين البلدين من خلال كثافة الزيارات على مستوى القمة، حيث زار رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، تركيا مرتين قبل هذا، وتوجت الزيارة الثالثة بترؤسه مع نظيره التركي أشغال الدورة الأولى لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، كما زار الرئيس التركي الجزائر مرتين خلال الفترة نفسها، وسمح هذا الزخم بتحقيق العديد من الانجازات، منها رفع حجم التبادل التجاري من حوالي 4 مليارات دولار في 2021 ليصل إلى أكثر من 6.5 مليار دولار في عام 2025 /2026، مع طموح معلن لرفعه إلى 10 ملايير دولار قريبا، كما أصبحت تركيا أول مستثمر أجنبي في الجزائر خارج قطاع المحروقات، مع وجود أكثر من 1600 شركة تركية تنشط في السوق الجزائرية، وفي هذا الصدد، يبرز مصنع “توسيالي” للحديد والصلب بوهران، ومصنع “تايال” للنسيج بغليزان كأكبر النماذج الناجحة للاستثمار التركي الإقليمي.
إلى جانب ذلك، نجد ملف الساعة المتعلق بالأمن الطاقوي، عبر توريد الغاز المسال لتركيا وتمديد الاتفاقية حتى عام 2027 وما بعده، ما يضمن أمن الطاقة لتركيا وتدفقا مستقرا للصادرات الجزائرية. وكذا الصناعات الدفاعية التي شهدت السنوات الأخيرة اهتماما جزائريا متزايدا بالتكنولوجيا العسكرية التركية (خاصة الطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع)، مع فتح نقاشات حول نقل التكنولوجيا والتصنيع المشترك.
اعتمـــــــــــــــــاد متبــــــــــــــــادل
وفي هذا الصدد، أشار أستاذ العلاقات الدولية، الدكتور عز الدين نميري، في اتصال مع “الشعب” أمس، أن الجزائر اليوم بوابة إفريقيا بالنسبة لتركيا، بينما تمثل تركيا للجزائر نموذجا تنمويا وشريكا موثوقا في مسيرة تنويع الاقتصاد، وأضاف أن العلاقات اليوم لم تعد ترتكز على الماضي التاريخي المشترك فحسب، بل أصبحت مبنية على براغماتية اقتصادية، ومصالح جيوسياسية متداخلة جعلت من هذا المحور واحدا من أقوى المحاور في المنطقة.
وأوضح محدثنا أن التعاون الجزائري التركي انتقل من شقيه السياسي والاقتصادي إلى مستوى أعلى وهو التعاون الاستراتيجي الذي أصبح ضروريا خاصة مع زيادة بؤر التوتر في كثير من المواقع، وبالأخص منطقة الساحل الإفريقي التي تتقاطع فيها الجريمة المنظمة ما بين الخلايا الإجرامية النائمة، وتجارة البشر والمخدرات وتبييض الأموال، ما يجعل المنطقة ككل كرة نار تسببت في نزوح جماعي للسكان، ما أدى إلى تفاقم ظاهرة الهجرة السرية.
وبما أن الجزائر تسعى إلى تحقيق تكامل اقتصادي إقليمي مع دول النيجر وتشاد، وبحكم الشراكة القوية بين الجزائر وتركيا، ولأجل الاستثمار في هذه المنطقة، قال الدكتور نميري إنه كان من الضروري الربط بين التنمية والأمن حتى يتمكن الطرفان من تحقيق المصالح والمكتسبات، وهو ما يجعل اللقاء الثنائي بين الرئيسين يتطرق لأبرز التحديات الأمنية التي وجب مواجهتها وتوفير كل الإمكانيات البشرية واللوجستية لمواجهتها، والعمل على توفير بيئة مناسبة لتحقيق التنمية المستدامة بأبعادها الثلاثة البشرية والاقتصادية والبيئية.
وبخصوص الوضع في الساحل، أشار المحلل السياسي أن الطرفين الجزائري والتركي يتقاسمان التصور نفسه في حلحلة المشاكل الأمنية بها، من خلال بعث حوار ليبي-ليبي دون تدخل أي طرف خارجي، وكذا الاتفاق على وضع دستور توافقي بمشاركة كل الليبيين باختلاف مشاربهم، ماعدا الجماعات المسلحة الإرهابية، وبعدها الدعوة إلى انتخابات رئاسية بتوفير كل الوسائل لإنجاحها من أجل عودة الاستقرار في هذه الدولة الشقيقة، إلى جانب العمل على استتباب الأمن في منطقة الساحل الأفريقي، والخليج العربي وفي الشرق الأوسط.


