بين المسرح والكوميديا ومقاهي الشعب.. سيرة الإبداع
صوت حمل “ريحة البهجة” وصاغ وثيقة الحنين العاصمـي
عبد المجيد مسكود.. واحد من أولئك الذين جعلوا من الأغنية مرآة لحياة الناس، ومن “الحومة” العاصمية قصيدة تُغنّى، ومن الحنين وطنا كاملا يسكن القلوب. وبرحيله، الخميس المنصرم، عن عمر ناهز 73 سنة بعد صراع مع المرض، فقدت العاصمة واحدا من أصواتها الرائعة التي ظلت لعقود تردّد بحب: “يا دزاير يا العاصمة.. سومة قيمتك عظيمة”..
صوت سأل في أغنيته الشهيرة: “قولولي يا سامعين.. ريحة البهجة وين؟”، يعود اليوم السؤال نفسه أكثر وجعا، بعدما غاب صاحبه الذي حمل في حنجرته رائحة القصبة، وصخب باب الوادي، ودفء الحامة، وحنين الأزقة القديمة التي كانت تسكن أغانيه قبل أن تسكن ذاكرة الجزائريين.
ســــيرة ومســـــيرة..
ولد عبد المجيد مسكود يوم 31 مارس 1953 بحي الحامة في بلوزداد، أو “بلكور” سابقا، بالجزائر العاصمة، وهي المدينة التي تحوّلت لاحقا إلى رمز خالد في أعماله الفنية. ورغم انحداره من ولاية بومرداس، إلا أن اسمه ظل مرتبطا وجدانيا بالعاصمة وأحيائها الشعبية التي أحبها وغنى لها حتى صار أحد أكثر الأصوات التصاقا بذاكرتها الجماعية.
ومنذ بداياته الفنية سنة 1969، لم يسلك مسكود الطريق الأكاديمي التقليدي، إذ لم يتخرّج من معهد موسيقي، بل صنع نفسه بنفسه، متكئا على الموهبة والاحتكاك الفني والتجربة الميدانية. وكانت بداياته الأولى في عالم الكوميديا ضمن فرقة محمد توري، قبل أن يلتحق بالمسرح الشعبي إلى جانب الفنان الراحل حسان الحساني، وهي التجربة التي أثرت بوضوح على شخصيته الفنية، فصار قريبا من الناس، خفيف الظل، قادرا على التقاط تفاصيل الحياة اليومية وتحويلها إلى صور غنائية نابضة بالحياة.
مـــــــن المســــــرح إلى الأغنيــــــة..
لم يكن انتقال عبد المجيد مسكود إلى الأغنية الشعبية انتقالا عاديا، فقد كان امتدادا طبيعيا لفنان عرف كيف يصغي للشارع الجزائري، ويتأمل يومياته الصغيرة، ويحولها إلى نصوص تحفظها الذاكرة بسهولة.
تأثر بكبار فن الشعبي، على غرار الحاج محمد العنقى والشيخ الحسناوي، لكنه لم يكن نسخة عن أحد، إذ استطاع أن يشكل بصمته الخاصة، من خلال أسلوب جمع بين بساطة الكلمة وعمق المعنى، وبين الطابع العاصمي والحس الاجتماعي، مع نبرة ساخرة أحيانا تشبه حديث الناس في المقاهي والأحياء الشعبية.
كان مسكود فنانا عصاميا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إذ صنع اسمه بالصبر والعمل والتجربة، واستطاع أن يفرض حضوره في الساحة الفنية الجزائرية دون سند أكاديمي، معتمدا على صدقه الفني وقربه من الجمهور، لذلك لم يشعر الجزائريون يوما بأنهم يستمعون إلى فنان بعيد عنهم، بل إلى واحد منهم، يتحدّث بلغتهم، ويغني تفاصيلهم، ويشاركهم أفراحهم وآلامهم.
الأغنيـــــــة الخالـــــــدة..
حين صدرت أغنية “يا دزاير يا العاصمة” عام 1989، لم يكن أحد يتوقع أنها ستتحول إلى واحدة من أكثر الأغاني التصاقا بالذاكرة العاصمية والجزائرية عموما، فقد نجح عبد المجيد مسكود في تحويل العاصمة إلى حكاية غنائية مفتوحة على الحنين والوجع والحب، مستحضرا أسماء الأحياء والأسواق والعادات القديمة والأهازيج الشعبية التي بدأت تختفي مع مرور الزمن.
في تلك الأغنية لم يكن يغني للعاصمة بوصفها مدينة فقط، بل بوصفها ذاكرة وهوية وروحا جماعية، كان يستحضر باب الوادي والقصبة والحامة وباب الجديد وسوسطارة وبوزريعة، وسانتوجين ( بولوغين) ويبحث بحسرة عن “ريحة البهجة” التي غابت، وعن “ولاد العاصمة” الذين تغيرت ملامح الحياة بغيابهم.
ولعلّ سر خلود هذه الأغنية أنها لم تكن مجرد عمل فني ناجح، بل وثيقة وجدانية تحفظ صورة الجزائر الشعبية القديمة، بما فيها من لباس وأهازيج وطقوس رمضانية وأفراح وأصوات مداحين وحرفيين ونساء يطرزن الحرير ويعطرن الأزقة برائحة الياسمين.
صوت البسطاء..
تميّز الراحل بقدرته على تصوير الحياة اليومية للإنسان البسيط، فكان صوته قريبا من الشارع الجزائري ومن الحومة العاصمية تحديدا، كما عرف بأعمال أخرى بقيت راسخة لدى الجمهور، مثل “نهار يبان الصح” و«شوفو شوفو”، إلى جانب أعمال كوميدية وغنائية كتبها لغيره، من بينها “جا الماء نوض تعمر” التي أداها الفنان صالح أوقروت، و«جيق جيقا” التي قدمها الفنان كمال بوعكاز.
وقد ظلّ طوال مسيرته وفيا للأغنية الشعبية والتراث العاصمي، مؤمنا بأن الفن ليس ترفا، بل ذاكرة تحفظ تفاصيل الناس البسطاء، لذلك بقي متواضعا قريبا من جمهوره، ومحبوبا من الفنانين الذين عرفوه عن قرب.
كنز الفن الجزائري نعت وزيرة الثقافة والفنون مليكة بن دودة الفنان الراحل عبد المجيد مسكود، مؤكدة أنه “ركيزة أساسية من ركائز الأغنية الجزائرية الأصيلة”، وأنه استطاع أن ينقل “نبض الأحياء الشعبية وروح الهوية الجزائرية إلى آفاق فنية واسعة”.
وأضافت الوزيرة أن الراحل “حافظ طيلة عقود على جوهر الشعبي بأسلوب يجمع بين عراقة اللحن وعمق الكلمة”، معتبرة أن الساحة الثقافية الجزائرية فقدت برحيله “كنزا من كنوزها الحية”.
شاعو: مسكود روح العاصمة
وقد أشادت العديد من الأسماء الفنية الجزائرية، بخصال ومناقب فقيد الساحة الفنية، حيث قال عبد القادر شاعو في تصريح لـ«الشعب”، إن عبد المجيد مسكود كان “من أجمل الأصوات التي أنجبتها الساحة الفنية الجزائرية”، مضيفا أنه ظل حتى في مرضه منشغلا بمستقبل الأغنية الشعبية وتشجيع الطاقات الشابة.
وأكد شاعو أن الراحل “لم يكن صوتا فقط، بل كان روحا ومرآة للمواطن العاصمي”، لأنه تحدث في أغانيه عن أزقة العاصمة وباب الوادي والحامة والقصبة والعادات الشعبية والأهازيج القديمة مثل “بابا سالم”، مضيفا أن اسمه سيظل محفورا في ذاكرة الجمهور الجزائري.
لارادي: مسكود ابن الشعـب
أما الشاعرة فوزية لارادي، فاعتبرت أن الأغنية الشعبية “حزينة اليوم”، مؤكدة أن مسكود ترك فراغا كبيرا في الساحة الفنية وفي قلوب محبيه، خاصة أهل العاصمة.
وأضافت أن أغنية “يا دزاير يا العاصمة” تجاوزت حدود الجزائر واستقرت في قلوب المهاجرين وكل من أحب الموسيقى الجزائرية، مشيرة إلى أن الراحل كان “ابن الشعب المتواضع”، وأنه لم يكن يغني من أجل الأغنية فقط، بل “من أجل أحاسيس الناس ومشاعرهم”.
ومان: صوت حافظ على الأغنية الشعبية
بدوره، وصف الفنان فؤاد ومان، رحيل عبد المجيد مسكود بالمؤلم، معتبرا أنه من الأسماء التي صنعت حضورا قويا في الأغنية الشعبية العاصمية خلال التسعينيات، وترك أعمالا “ستبقى شاهدة على فنان قدم كل ما لديه للأغنية الجزائرية”.
أما الشاعر محمد رحال، فأكد أن الجزائر فقدت أحد الأصوات التي ساهمت في الحفاظ على الأغنية الشعبية وتطويرها، مشيرا إلى أن الراحل ترك بصمة واضحة في الذاكرة الفنية الجزائرية.
مكاريا: كتب تاريخ العاصمة بفنه
ومن جانبه، قال رئيس بيت الشعر الجزائري عبد القادر مكاريا، إن رحيل الفنان عبد المجيد مسكود جاء وكأن “للموت مواسمه وفصوله”، متوقفا عند تزامن رحيله مع رحيل الفنان كمال زرارة، في مشهد مؤثر يعكس قسوة الفقد الذي تعيشه الساحة الفنية الجزائرية هذه الأيام.
وأكد مكاريا أن عزاء الجزائريين في رحيل الفنانين هو أن الفن “لا يسكت صوته الموت”، لأن الإبداع يبقى شكلا من أشكال مقاومة الفناء والبقاء في الذاكرة، وأضاف أن عبد المجيد مسكود كان “مسكونا بالعاصمة”، غنى لها وبها، فحول تفاصيلها اليومية وعاداتها وأحياءها وأسماء أوليائها الصالحين إلى ذاكرة فنية تحفظها الأجيال.
ووصفه بأنه فنان كان يؤدي بقلبه قبل صوته، لذلك كانت أغانيه تصل مباشرة إلى الناس البسطاء، سواء في أحياء العاصمة العتيقة أو في القرى والمداشر البعيدة، حيث نجح عبر فنه في زرع الفرح والتخفيف عن البسطاء والمتعبين.
كما اعتبر أن الراحل “كتب تاريخ العاصمة بطريقة أخرى”، مقدما صورة فنية راقية عن المدينة وذاكرتها الشعبية بصوت شجي وأداء صادق ظل قريبا من وجدان الجزائريين.
نصف قرن من العطء الفني
اليوم.. وبعد أكثر من نصف قرن من العطاء، يرحل عبد المجيد مسكود، لكن صوته يبقى معلقا في ذاكرة الجزائريين، تماما كما بقيت تلك الأسئلة التي كان يرددها بحسرة وحنين: “قولولي يا سامعين.. ريحة البهجة وين؟”.
وربما كان الراحل يدرك، منذ سنوات، أن المدن تتغير، وأن الأزقة القديمة ترحل، وأن كثيرا من الأشياء الجميلة تختفي مع الزمن، لذلك غنّى للعاصمة كما لو أنه كان يخاف عليها من النسيان، واليوم، بينما يودعه محبوه بحزن كبير، يبدو وكأن العاصمة نفسها ترد عليه بصمت موجع: “حبك في قلبي ديما.. إلى يوم الدين”.




