احتضنت المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية «نور الدين صحراوي»، فعاليات إحياء الذكرى التاريخية لهجومات 20 أوت 1955، في موعد ثقافي وتاريخي حمل شعار «على خطى نوفمبر نواصل»، واستهدف استحضار صفحات مشرقة من تاريخ الثورة التحريرية وترسيخ الوعي بالذاكرة الوطنية لدى الأجيال الصاعدة، وذلك تحت إشراف والي ولاية سكيكدة السعيد أخروف ومتابعة مديرية الثقافة للولاية.
وشكّلت هذه التظاهرة مناسبة لإعادة قراءة إحدى المحطات المفصلية في تاريخ الكفاح الوطني، واستحضار المكانة التي احتلتها منطقة سكيكدة في مسار الثورة التحريرية، من خلال برنامج جمع بين الكتاب التاريخي والبحث الأكاديمي والفن والإبداع الطفولي، في مقاربة ثقافية تؤكد أن صون الذاكرة الوطنية لا يقتصر على استعادة الأحداث، وإنما يمر أيضا عبر تحويلها إلى معرفة حية تنتقل من جيل إلى آخر.
واستهلت فعاليات المناسبة بمعرض للكتاب التاريخي أقامته المكتبة، ضمّ مجموعة من المؤلفات والإصدارات الفكرية والأدبية التي تتناول الثورة التحريرية وتاريخ الحركة الوطنية، إلى جانب نماذج من الرصيد الوثائقي والمعرفي للمؤسسة، بما يعكس الدور الذي تضطلع به المكتبة في حفظ الذاكرة وإتاحة مصادر المعرفة أمام القراء والباحثين والطلبة والناشئة.
وقدّم مدير المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية لولاية سكيكدة، محمد جابة، شروحات حول محتويات المعرض، مستعرضا ما تزخر به المؤسسة من رصيد تاريخي وثقافي، ومبرزا جهودها في جعل الكتاب وسيلة للتعريف بتاريخ الجزائر وتعزيز الصلة بين القارئ وموروثه الوطني.
وفي مشهد جمع بين الذاكرة والإبداع، عاين الوفد لوحة فنية جماعية أنجزها أطفال المكتبة في إطار برنامج «صيفنا إبداع»، ضمن ورشة المانغا والأنيمي، حيث اختار الأطفال التعبير عن الذاكرة الوطنية وروح المقاومة من خلال لغة الفن والألوان.
وقد منح حضور الأطفال، وهم يرتدون قمصان Summer House Culture and Arts، للمشهد بعدا رمزيا خاصا، باعتبار أن استمرارية الذاكرة الوطنية لا تتحقق فقط من خلال المحاضرات والكتب، بل أيضا عبر إشراك الناشئة في الفعل الثقافي والفني، وتحويل المناسبات التاريخية إلى فضاءات للتعلم والتعبير وبناء الوعي.
وتواصل البرنامج بتنظيم ندوة تاريخية بعنوان «هجومات 20 أوت في منطقة سكيكدة»، نشطها الدكتور توفيق صالحي والدكتور رياض بودلاعة، حيث تناول الباحثان مختلف الأبعاد التاريخية لهجومات 20 أوت 1955، ودلالاتها في مسار الثورة التحريرية، مع إبراز خصوصية منطقة سكيكدة ودورها في الأحداث التي شهدتها المنطقة خلال تلك المرحلة.
وكانت الندوة فضاء علميا لاستعادة الحدث بعيدا عن القراءة الاحتفالية المجردة، من خلال استحضار الوقائع والسياقات التاريخية والنتائج التي ترتبت عن هجومات 20 أوت، باعتبارها محطة أساسية أسهمت في توسيع نطاق الثورة وإبراز قدرتها على الانتقال إلى مرحلة أكثر تنظيما وتأثيرا، كما أكدت حجم التضحيات التي قدمها الشعب الجزائري في سبيل استرجاع السيادة الوطنية.
وتؤكد هذه التظاهرة، التي احتضنتها المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية لولاية سكيكدة، أن المؤسسة الثقافية باتت تؤدي دورا يتجاوز توفير الكتاب وتنظيم أنشطة المطالعة، لتتحوّل إلى فضاء فاعل في صناعة الوعي وحفظ الذاكرة الجماعية، من خلال الجمع بين المعرفة التاريخية والبحث العلمي والإبداع الفني والتنشئة الثقافية.
كما تعكس التظاهرة أهمية اعتماد مقاربة جديدة في التعريف بالتاريخ الوطني، تقوم على إشراك الأطفال والشباب وتحويل الذاكرة من مادة محفوظة في الكتب إلى تجربة ثقافية حية، تستند إلى القراءة والبحث والفن والحوار، بما يسمح للأجيال الجديدة بفهم تضحيات السابقين واستيعاب قيم الحرية والوطنية والانتماء التي حملتها الثورة التحريرية.







