احتضن مركز الفنون والثقافة بقصر رؤساء البحر “حصن 23”، أول أمس، أمسية أدبية خُصّصت لتقديم وتوقيع رواية “Heartbeat” للكاتبة الشابة مدينة مازوني من ذوي الهمم، في لقاء ثقافي حمل الكثير من معاني التحدي والإصرار، وجسّد قدرة الإبداع على تحويل المعاناة إلى طاقة نابضة بالحياة، وسط حضور مهتمين بالقراءة والشأن الثقافي، وفاعلين في الساحة الثقافية.
شكّل هذا الموعد الثقافي فضاءً للحوار والتبادل بين الكاتبة والجمهور، حيث أتيحت للحاضرين فرصة التعرّف على عالم الرواية وأبرز القضايا التي تتناولها، إلى جانب الوقوف عند تجربة الكاتبة التي اختارت أن تجعل من الكتابة وسيلة لمواجهة الصعوبات والتعبير عن أحلامها وطموحاتها، في خطوة تعكس إرادة قوية في شق طريقها داخل المشهد الأدبي الجزائري.
وتكتسي تجربة مدينة مازوني خصوصية إنسانية لافتة، كونها أنجزت روايتها شفهيا بسبب تعذّر استعمالها للقلم أو الحاسوب، ما جعل من “Heartbeat” تجربة إبداعية استثنائية انتصرت فيها قوة الإرادة على العوائق الجسدية، مؤكدة أن الشغف بالأدب قادر على إيجاد طريقه مهما كانت التحديات.
وقد بدا هذا الإصرار واضحا في تفاصيل الأمسية، التي تحوّلت من مجرد حفل توقيع إلى لحظة احتفاء بالإرادة الإنسانية وبحقّ ذوي الهمم في صناعة حضورهم الثقافي والإبداعي.
ولم تكن رحلة مدينة مازوني نحو النشر سهلة، إذ كشفت الأمسية عن تفاصيل اللقاء الأول الذي جمعها بزهرة ڨمون مسؤولة دار النشر “سيديا” سنة 2022، خلال فعاليات صالون الكتاب، في مصادفة تحوّلت مع الوقت إلى علاقة دعم وصداقة.
فبحسب ما رُوي خلال اللقاء، لم يكن من المفترض أن يجمعهما موعد، غير أن حديثا عابرا بدأ بينما كانت مدينة تبحث عن كتب للقراءة، قبل أن تعلن للمرة الأولى بصوت مسموع أنها تكتب رواية وتحلم بنشرها، رغم أنها لم تكن تعرف بعد كيف تخطو خطواتها الأولى في هذا المسار، ومنذ ذلك اللقاء، بدأت تتشكل ملامح تجربة جديدة، إذ واصلت الكاتبة عملها عبر منصة “واتباد”، قبل أن تتجه لاحقا إلى النشر الذاتي عبر “أمازون”، بينما رافقتها مسؤولة دار النشر بالنصح والتشجيع. كما عبّرت هذه الأخيرة عن إعجابها بحب مدينة العميق للكتابة، وصبرها وقدرتها على التحدي، معتبرة أن تجربتها تمثل نموذجا ملهما للإصرار والإيمان بالحلم.
وخلال الجلسة، تحدثت الكاتبة عن تجربتها مع الرواية، التي كتبتها باللغة الإسبانية، وقامت بعد ذلك بترجمتها إلى الإنجليزية، بدعم شخصي من طرف زهرة ڨمون في التفاتة ثمّنت من خلالها موهبة الكاتبة وإصرارها على تحويل حلم الكتابة إلى واقع ملموس.
كما أكدت أن الأدب بالنسبة إليها ليس مجرد كتابة، بل مساحة للتنفيس عن الأحاسيس والهواجس الإنسانية، ووسيلة لخلق عالم أكثر دفئا وإنسانية.
وتدور أحداث الرواية حول شخصية “لونا” التي تشعر بأنها عالقة داخل عالم لا يفهمها، فتجد في الكتابة ملاذا تصنع عبره عوالم يزهر فيها الحب، غير أن ظلال الماضي تظل تطاردها وتهدّد بإطفاء نورها الداخلي. وفي الجهة المقابلة، يظهر “توماس”، الشاعر والموسيقي الذي يختبئ خلف الموسيقى هربا من وحدته، متسائلا إن كان الحب قادرا على إعادة الأمل إلى قلبه، ومن خلال تقاطع مصيري بين الشخصيتين، تطرح الرواية أسئلة إنسانية مرتبطة بالحب والخذلان والأحلام المؤجلة والبحث عن الذات.
وشهدت الأمسية تفاعلا لافتا من الحضور الذين ناقشوا أسلوب الرواية وبناء شخصياتها ورسائلها الإنسانية، حيث تحوّل اللقاء إلى مساحة للنقاش حول الأدب الشبابي ودوره في ملامسة قضايا الجيل الجديد، خاصة حين يرتبط بتجارب واقعية تحمل أبعادا نفسية وإنسانية عميقة، واختُتمت الأمسية بجلسة توقيع للرواية، في مشهد عكس اهتمام القرّاء بالتجارب الأدبية الجديدة..



