توسيع التعاون..ترتيب الأولويات وبناء شراكــة تتعـدى البعد الدبلوماسـي
تتحرك العلاقات الجزائرية العُمانية، خلال السنوات الأخيرة، ضمن مسار تصاعدي يقوم على توسيع التعاون، وترتيب الأولويات المشتركة، وبناء شراكة لا تنحصر في بعدها الدبلوماسي فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد والطاقة والاستثمار والأمن والتكوين والتكنولوجيا.
وتأتي الزيارة الرسمية التي يقوم بها سيادة الفريق أول السعيد شنقريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، إلى سلطنة عُمان، باعتبارها محطة جديدة في هذا المسار المتدرج والذي عرف دفعا سياسيا مهما بعد الزيارة التي قام بها رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون إلى مسقط سنة 2024، ثم زيارة السلطان هيثم بن طارق إلى الجزائر سنة 2025.
كذلك، تعد زيارة الفريق أول برأي مراقبين امتدادا طبيعيا للتطور الذي تعرفه العلاقات بين البلدين، فهي تندرج ضمن توسيع مجالات التعاون الثنائي، بعد أن انتقل التنسيق بين الجزائر ومسقط من مستوى التعاون القطاعي إلى رؤية أشمل، تقوم على المصالح المتبادلة، واحترام سيادة الدول، والبحث عن مواقع توازن في محيط عربي ودولي يعرف تحولات متسارعة. لاسيما وأن الجزائر وسلطنة عُمان تلتقيان في مقاربة سياسية تميل إلى الاعتدال، وتفضّل الحوار، وترفض الانخراط في منطق المحاور الحادة، وهو ما يمنح علاقتهما قيمة إضافية في ظرف دولي أصبحت فيه الاصطفافات أكثر وضوحا، وأصبحت فيه الدول مطالبة بحماية مصالحها دون التفريط في استقلالية قرارها.
كما سمحت الزيارات الرئاسية المتبادلة بوضع قاعدة سياسية صلبة لهذا المسار، حيث جاءت زيارة رئيس الجمهورية إلى سلطنة عُمان متبوعة بتوقيع ثماني مذكرات تفاهم في مجالات متعددة، منها ترقية الاستثمار، والتعليم العالي، والتربية، والتشغيل والتدريب، والإعلام، والبيئة والتنمية المستدامة، وتنظيم المعارض والفعاليات والخدمات المالية، وجاءت زيارة السلطان هيثم بن طارق إلى الجزائر لتؤكد أن ما تم الاتفاق عليه خاصة في القطاعات التي تمتلك فيها الجزائر وعمان فرصا حقيقية للتكامل.
شراكة اقتصادية وأمنية بمنطق المصالح الهادئة
يؤكد العديد من الخبراء من أن الشراكة الجزائرية العُمانية تكتسب أهميتها من كونها تجمع بين بلدين يملكان موقعين استراتيجيين مختلفين ومتكاملين، فالجزائر الدولة المحورية في إفريقيا والفضاء المتوسطي، تمتلك خبرة كبيرة في الطاقة والصناعة والدفاع والزراعة الصحراوية، بينما تمثل سلطنة عُمان بوابة مهمة في الخليج والمحيط الآسيوي، وتملك تجربة معروفة في الدبلوماسية الهادئة وإدارة التوازنات الإقليمية. لذلك، فإن التقارب بين البلدين يأخذ طابعا استراتيجيا، خاصة في ظل عالم يعرف حروبا غير تقليدية، وصراعات تكنولوجية، وتنافسا متزايدا حول الأمن الطاقوي والمائي والرقمي والغذائي.
بالإضافة إلى ذلك، تبرز الشراكة الاقتصادية كأحد أهم أعمدة هذا التقارب، خصوصا من خلال التجربة القائمة في المنطقة الصناعية بأرزيو بوهران، حيث توجد الشراكة الجزائرية العُمانية في إنتاج المخصبات والأسمدة والأمونيا واليوريا بقيم استثمارية كبيرة، وتكتسي هذه المواد أهمية مباشرة بالنسبة للأمن الغذائي والزراعة الحديثة، لأنها ترتبط بشكل مباشر بدعم الإنتاج الفلاحي وتحسين المردودية، كما تمنح الجزائر قدرة أكبر على التصدير في مجال يعرف طلبا عالميا متزايدا. علاوة على ذلك، فإن الحديث عن مشاريع في صناعة السيارات، والطاقة، والخدمات البترولية، والأدوية، يوضح أن الطرفين يتجهان إلى تنويع التعاون وعدم حصره في قطاع واحد.
ويمثل هذا المسار بالنسبة للجزائر فرصة لتثمين خبراتها الصناعية والطاقوية والتكنولوجية، وتوسيع حضورها في أسواق خليجية وآسيوية، كما يسمح بتصدير العديد من الخبرات التي راكمتها في مجالات الصحة والصناعة الدوائية والتكوين المهني والتقنيات المرتبطة بالمياه والزراعة الصحراوية. وبالنسبة لسلطنة عُمان، يوفر التعاون مع الجزائر إمكانات مهمة في مجالات الطاقة، والأسمدة، والصناعات التحويلية، والتكوين، والخبرات الأمنية والدفاعية، خاصة أن الجزائر قطعت أشواطا معتبرة في توطين العديد من الصناعات ورفع نسب الإدماج في قطاعات حساسة.
وتقدم كل من الجزائر وسلطنة عمان نموذجا عربيا قائما على الاعتدال في ضبط النفس والدبلوماسية الهادئة، بعيدا عن الخطاب المتشنج والاستقطابات الدولية الحادة. وهذا النموذج يقوم على بناء مصالح مشتركة في قطاعات واضحة، وعلى تنسيق سياسي يحافظ على استقلالية القرار، وعلى إرادة في تحويل التقارب الدبلوماسي إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع، كما تعكس العلاقة بين البلدين رؤية رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون والتي أكد عليها بشكل كبير خلال القمة التاريخية للجامعة العربية والتي عقدت بالجزائرفي 2022 أكد حينها على أن الأمن القومي العربي واحد لا يتجزأ والتعاون والشراكة لم يعد ترفا سياسيا بل هو ضرورية تفرضها التحولات الدولية والمصير المشترك الذي يربط كل الشعوب العربية قاطبة.



