الإصلاحات الهيكلية تؤتــي ثمارها وثقـــة متزايــدة فـي السّـوق الجزائريــة
أهميـــة تحقيـق التـوازن الجهوي فــي توزيــع الاستثمــارات
في سياق التحوّلات الاقتصادية التي تشهدها الجزائر خلال السنوات الأخيرة، يبرز الاستثمار باعتباره أحد أهم محاور السياسة الاقتصادية الوطنية، نظراً لدوره المحوري في تنويع الاقتصاد وتقليص التبعية للمحروقات. ويأتي هذا التوجّه تجسيداً لالتزامات رئيس الجمهورية، لاسيما الهدف المتمثل في بلوغ 20 ألف مشروع استثماري في آفاق سنة 2029، بما يعكس إرادة واضحة لترسيخ ديناميكية اقتصادية قائمة على الإنتاج وخلق الثروة.
سجّلت الجزائر خلال الفترة الأخيرة، ديناميكية لافتة في مجال الاستثمار، من خلال تسجيل أكثر من ٢٠ ألف مشروع استثماري لدى الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، وهو رقم يعكس حجم الثقة المتزايدة في السوق الجزائرية، كما يؤشّر إلى تحول فعلي في توجّهات الفاعلين الاقتصاديّين نحو الاستثمار المنتج.
وتتجلّى أهمية هذه المؤشّرات في انتقال نسبة معتبرة من المشاريع من مرحلة التسجيل الإداري إلى مرحلة التنسيق الفعلي والتجسيد الميداني، ما يدل على أنّ المنظومة الاستثمارية بدأت تتجه تدريجياً نحو الفعل الاقتصادي الحقيقي، بعيداً عن الطابع الإداري التقليدي.
ويأتي هذا التطور في سياق سلسلة من الإصلاحات الهيكلية التي مسّت المنظومة الاقتصادية خلال السنوات الخمس الأخيرة، وشملت إعادة صياغة الإطار القانوني للاستثمار من خلال القانون الجديد للاستثمار، وإعادة تنظيم العقار الاقتصادي، وإصلاح قانون النقد والصرف، إلى جانب تحديث منظومة الجباية والمحاسبة العمومية. وهدفت هذه الإصلاحات إلى بناء بيئة أعمال أكثر شفافية ومرونة، قادرة على استقطاب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتوفير مناخ ملائم لتجسيد المشاريع في ظروف أكثر فعالية.
ورغم أهمية هذه الإصلاحات، فإنّ التحدي المطروح اليوم يتمثل في قدرة المنظومة المؤسّساتية على تحويل النصوص القانونية إلى نتائج اقتصادية ملموسة. فما تزال بعض المشاريع الاستثمارية تواجه عراقيل مرتبطة بالإجراءات الإدارية، أو بتداخل الصلاحيات بين القطاعات المختلفة، أو ببطء بعض الهياكل المحلية في اتخاذ القرارات، الأمر الذي يجعل التنسيق بين مختلف القطاعات الوزارية عاملاً حاسماً في نجاح السياسة الاستثمارية.
نقطـــة تحول استراتيجيــة
في هذا السياق، أكّد الخبير الاقتصادي مراد كواشي، في تصريح لـ«الشعب”، أنّ المرحلة الحالية تمثل “نقطة تحول استراتيجية” في السياسة الاقتصادية الجزائرية، كونها تشهد الانتقال من مرحلة الإصلاحات القانونية إلى مرحلة التجسيد الفعلي للمشاريع. وأوضح أنّ تسجيل أكثر من 20 ألف مشروع استثماري يعكس حركية اقتصادية غير مسبوقة، غير أنّ ذلك يطرح في الوقت نفسه تحدياً أساسياً يتمثل في ضمان تحول هذه المشاريع إلى وحدات إنتاجية حقيقية قادرة على خلق الثروة ومناصب الشغل.
وأضاف أنّ المقاربة التشاركية بين مختلف القطاعات الوزارية أصبحت ضرورة ملحة، موضّحاً أنّ المشروع الاستثماري لم يعد مرتبطاً بمسار إداري واحد، وإنما يتقاطع مع عدة قطاعات مترابطة، على غرار العقار الاقتصادي والمنظومة البنكية والنظام الجبائي والإدارة المحلية، ما يجعل التنسيق بينها شرطاً أساسياً لتفادي التعطيلات الإدارية وتسريع وتيرة الإنجاز.
وأشار كواشي إلى أنّ ضعف التنسيق خلال الفترات السابقة كان سبباً في بطء معالجة العديد من الملفات الاستثمارية، حيث ظلّت بعض المشاريع مجمّدة لفترات طويلة نتيجة تعدّد المتدخّلين وتداخل الإجراءات. وأضاف أنّ بوادر التحسّن بدأت تظهر من خلال اعتماد آليات أكثر مرونة للتنسيق، تسمح بدراسة الملفات ومعالجتها بصورة جماعية وفي آجال أقصر.
وفي جانب آخر، لفت الخبير إلى أنّ ما بين 40 و45 بالمائة من المشاريع المسجّلة تحتاج إلى تمويل بنكي أو تسهيلات مالية للانطلاق الفعلي، وهو ما يضع المنظومة المصرفية أمام تحديات جديدة تتعلّق بتطوير أدوات التمويل وتوسيع آليات الدعم، بما يشمل التمويل الإسلامي ورأس المال الاستثماري وصناديق دعم المؤسّسات الناشئة. وأكّد أنّ محدودية التمويل ما تزال من أبرز العوامل التي تؤخّر تحويل المشاريع المسجّلة إلى مشاريع منتجة على أرض الواقع.
ومن منظور اقتصادي أشمل، أبرز كواشي أهمية تحقيق التوازن الجهوي في توزيع الاستثمارات، مشيراً إلى أنّ المؤشّرات الأولية تظهر تمركز نسبة معتبرة من المشاريع في المناطق الشمالية، في حين تحتاج المناطق الداخلية والجنوبية إلى مزيد من الاستثمارات لتحقيق تنمية متوازنة وشاملة. واعتبر أنّ البعد الجغرافي يمثل معياراً أساسياً في تقييم نجاح السياسة الاستثمارية، إلى جانب عدد المشاريع المسجّلة ونوعية أثرها الاقتصادي.
كما شدّد على أهمية تسريع مسار الرقمنة الإدارية باعتبارها أداة فعّالة لتقليص البيروقراطية وتعزيز الشفافية، من خلال إنشاء منصّات رقمية موحّدة تتيح متابعة مسار المشروع الاستثماري، منذ مرحلة التسجيل إلى غاية الإنجاز. ويرى أنّ هذا التحول الرّقمي قادر على تقليص الآجال الإدارية بنسبة تتراوح بين 30 و40 بالمائة، في حال تطبيقه بصورة شاملة وفعالة.
وختم كواشي بالتأكيد على أنّ نجاح الجزائر في تحقيق هدف 20 ألف مشروع استثماري لا يقاس بعدد المشاريع المسجّلة فحسب، وإنما بمدى قدرتها على التحول إلى مشاريع منتجة ومستدامة تخلق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني. وأوضح أنّ الاستثمار يمثل منظومة متكاملة تقوم على الشفافية والتنسيق والفعالية في التنفيذ، بما يضمن تحقيق التحول الاقتصادي المنشود وترسيخ أسس اقتصاد قوي ومتنوّع.


