الوقايــــة والشفافيـــة والرّقابــة والرّقمنــة.. آليـات فعّالـــة لــردع المشبوهــين
تؤكّد السلطات العمومية، تحت قيادة رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، عزمها على مواصلة مكافحة الفساد، دون تردّد ومحاسبة كل من تمتد يده إلى المال العام، وذلك وفق سياسية واضحة تقوم على إحقاق العدالة وإطلاع الرأي العام الوطني بمجريات التحريات، مثلما كان الحال قبل يومين، في قضية استيراد أضاحي العيد.
لا تتوقف مكافحة الفساد، على المنظومة القانونية القائمة، وإنما على إرادة سياسة صلبة عبّر عنها رئيس الجمهورية، منذ سنوات، أكّد من خلالها عدم التسامح مع من تطال يده أموال الدولة، عن قصد وعن سبق إصرار وترصّد.
وتحقّق هذه السياسة النجاعة المطلوبة، باعتماد أساليب أخرى على غرار الرّدع والوقاية وإشراك المواطن عبر ثقافة التبليغ، بما ضيّق الخناق عن كل من تسول لهم أنفسهم التحايل على القانون والعبث بالمال العام.
ومرة أخرى ظهرت هذه الإرادة الصلبة، في ملف استيراد أضاحي العيد، حيث كشف النائب العام لدى مجلس قضاء الجزائر، عن تفاصيل إجرامية، شملت تجاوزات خطيرة في مجال الأمن الصحي وفي الجانب القانوني والمالي.
وأكّد، النائب العام محمد الكمال بن بوضياف، أنّ هذا الملف تجري متابعته بكل حزم وصرامة، كونه يتعلق بعملية وطنية، سخّرت لها الدولة إمكانية مادية ولوجيستية ضخمة، وكانت موجّهة، لفائدة الجزائريّين، في إطار حرص رئيس الجمهورية على تمكينهم من آداء شعيرة النحر، في أجواء من الطمأنينة والتضامن.
وفي السياق، أكّد المختص القانوني، والمحامي المعتمد لدى المحكمة العليا ومجلس الدولة، الاستاذ نبيل أمداس، أنّ مكافحة الفساد في الجزائر لم تعد تقتصر على توقيع العقوبات، بل أصبحت سياسة وطنية متكاملة تقوم على الوقاية، والشفافية، والرّقابة، والرّدع، والرّقمنة، وتعزيز ثقافة النزاهة داخل مؤسّسات الدولة والمجتمع، بما ينسجم مع التوجّهات الجديدة للدولة الجزائرية، نحو بناء اقتصاد قوي، وإدارة عصرية، ومؤسّسات قائمة على سيادة القانون وحسن التسيير.
وأوضح أمداس، في اتصال مع «الشعب» أمس، أنّ الجزائر شهدت خلال السنوات الأخيرة إصلاحات تشريعية ومؤسّساتية هامة تهدف إلى تعزيز مبادئ الشفافية والنزاهة وذلك لمواكبة التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية، وتهيئة مناخ قانوني يضمن حماية المال العام ويعزّز ثقة المواطن والمستثمر في مؤسّسات الدولة.
هذه الإصلاحات ظلت مشفوعة بإرادة سياسة صارمة، ترجمت في عديد المرات إلى واقع ملموس من خلال إشهار سيف القانون في وجه التجاوزات وسلوكيات الفساد.
وأشار المحامي، إلى أنّ القانون رقم 06-01 المؤرخ في 20 فبراير 2006، المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته، المعدل والمتمّم، يعد حجر الأساس في المنظومة القانونية الجزائرية لمكافحة الفساد، حيث وضع إطارًا شاملاً للوقاية والكشف والمتابعة والعقاب.
آليـات فعالــــة
أبرز المتحدث الآليات التي اعتمدها المشرّع الجزائري في هذا المجال، عبر إرساء التدابير الوقائية داخل الإدارات والمؤسّسات العمومية والخاصة، من خلال تعزيز الشفافية في تسيير الأموال العمومية، وهو ما تضمّنه الفصل الثاني من القانون، لاسيما المواد 3 إلى 26 المتعلقة بالتدابير الوقائية، وتجريم مختلف صور الفساد، ومنها: الرشوة في القطاع العام، والرّشوة في القطاع الخاص، اختلاس الممتلكات العمومية أو الخاصة واستغلال النفوذ وإساءة استغلال الوظيفة والإثراء غير المشروع، وكذلك مكافحة جريمة تبييض عائدات الفساد وإخفاء الأموال المتحصّلة من الجرائم المتصلة بالجرائم المذكورة.
ولعل من أهم الإضافات الجديدة في مجال مكافحة الفساد هي حماية المبلّغين والشهود والخبراء والضّحايا من كل أشكال الانتقام، وفق المادة 45 من القانون المذكور أعلاه وما يليها، لرفع الوعي الاجتماعي وإشراك المواطن في مكافحة الفساد دون خوف.
إلى جانب تعزيز التعاون القضائي الدولي واسترجاع العائدات الإجرامية والأموال المحولة إلى الخارج، بما يتوافق مع الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها الجزائر، وإنشاء أجهزة وهيئات متخصّصة في الوقاية والكشف والتحرّي والمتابعة، إلى جانب تدعيم دور القضاء والضبطية القضائية والأجهزة الرقابية، على غرار السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته بموجب القانون رقم 22-08، لتحل محل الهيئة الوطنية السابقة، وتتولى مرافقة المؤسّسات وتقييم أدوات النزاهة والشفافية.
هذا ودعمت الدولة، يضيف الخبير القانوني، هذه المنظومة بجملة من الإصلاحات، من بينها رقمنة الإدارة والخدمات العمومية للحدّ من الاحتكاك المباشر وتقليص فرص الرّشوة، إصلاح منظومة الصفقات العمومية وتعزيز مبادئ المنافسة والشفافية، تعزيز الرقابة المالية والإدارية من خلال أجهزة الرقابة المختصة، وتطوير الإطار القانوني لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. أي القانون رقم 05-01، المُعدّل والمُتمّم مؤخّراً بموجب قانون رقم 23-01، بالإضافة إلى حزمة من المراسيم التنفيذية والأنظمة الرقابية لبنك الجزائر وهيئة تنظيم ومراقبة عمليات البورصة التي تهدف إلى الوقاية من الجريمة، حجز العائدات الإجرامية، وتتبّع مسار الأموال غير المشروعة.



