الدولة تحمي قراراتها وتحاسب كل من يسيء تنفيذها أو يستغلّها
آليات الرقابة تضرب معاقل المفسدين وتلاحق المتورطين
تواصل الدولة ضرب معاقل الفساد واجتثاثه من جذوره، مهما كان موقع المتورّطين فيه، مؤكّدة أنّ محاربة الفساد خيار ثابت لا يستثني أي قطاع، وقد جاء فتح التحقيق المعمّق في ملف استيراد أضاحي عيد الأضحى، ليجسّد إرادة الدولة في حماية المال العام وصون قراراتها السيادية التي اتُخذت لفائدة المواطنين لحماية قدرتهم الشرائية، وعدم التسامح بتحويل المبادرات الاجتماعية إلى مجال للتلاعب بالمال العام، أو تحقيق منافع شخصية.
تفاصيل معالجة ملف استيراد مليون رأس من المواشي، لتمكين الجزائريّين من أداء شعيرة عيد الأضحى المبارك، في ظروف ميسّرة، أبانت عن صرامة الدولة في محاربة الفساد، وحماية المواطن والمال العام، وصون القرارات السيادية، فالعملية الاستثنائية التي أقرّها رئيس الجمهورية، حظيت بمتابعة دقيقة منه منذ إطلاقها، قبل أن يأمر فور تسجيل اختلالات فيها، بفتح تحقيق شامل لترتيب المسؤوليات، في تأكيد جديد على أنّ الدولة تحمي قراراتها كما تحاسب كل من يسيء تنفيذها أو يستغلها.
بدأت العملية بقرار استثنائي اتخذه رئيس الجمهورية خلال اجتماع مجلس الوزراء في ديسمبر 2025، فقد أمر باستيراد مليون رأس من الأغنام تحسّبا لعيد الأضحى، أمام الارتفاع الكبير لأسعار المواشي واتساع دائرة المضاربة، وجاء القرار لتخفيف الأعباء عن المواطنين وضمان تمكينهم من أداء شعيرة العيد في ظروف تحفظ كرامتهم.
ولضمان نجاح العملية، وجّه رئيس الجمهورية بإعداد دفتر شروط محكم، وإطلاق استشارة دولية لاختيار أفضل العروض وفق معايير الجودة والسعر، مع فرض رقابة صحية وبيطرية صارمة، وتسخير جميع الوسائل اللوجستية والإدارية لتسهيل دخول الشحنات وتوزيعها عبر نقاط بيع منظمة تشرف عليها السلطات العمومية، لقطع الطريق عن المضاربين والمحتكرين.
ولم يكتف رئيس الجمهورية باتخاذ القرار، بل ظل يتابع مختلف مراحل تنفيذه، بداية من إطلاق الاستشارة الدولية، وصولا إلى الشحنات، مرورا بعمليات النقل والتوزيع، وشدّد في كل مرة على ضرورة احترام المعايير الصحية والتنظيمية، وضمان وصول الأضاحي إلى المواطنين وفق الأهداف المسطّرة.
وفي الوقت الذي تم الإعلان فيه عن نجاح العملية في توفير مليون رأس من الأغنام خلال الفترة الممتدة بين 25 مارس و29 ماي 2026، برزت في المقابل مؤشّرات تفيد بوجود تجاوزات في بعض مراحل التنفيذ، سواء في مجال الرقابة البيطرية أو إجراءات الصفقات العمومية، ولأنّ الدولة جعلت من محاربة الفساد خيارا ثابتا، لم يتم التستّر على هذه المؤشّرات أو التقليل من شأنها، بل كان القرار واضحا وصارما بفتح تحقيق شامل في كل تفاصيل العملية.
وقبل أيام قليلة، أمر رئيس الجمهورية بفتح تحقيق معمّق في ملف استيراد الأضاحي، في رسالة قوية مفادها أنّ نجاح القرار لا يعفي من محاسبة كل من أساء تنفيذه أو حاول استغلاله لتحقيق منافع شخصية.
وكشفت التحقيقات التي باشرتها مختلف الأجهزة الأمنية، تحت إشراف العدالة، عن وجود اختلالات عميقة وصفت بـ «العميقة» مسّت الجانبين الصّحي، والتعاقدي والمالي.
وأبرز النائب العام لدى مجلس قضاء الجزائر، خلال ندوة صحفية، أنّ التحقيقات وثقت تجاوزات خطيرة في مسار الرقابة البيطرية، بعدما وجّهت مفتشة بيطرية بالمراكز الحدودية ببجاية إنذارا إلى المديرية العامة للمصالح البيطرية بشأن ظهور أعراض سريرية تدل على أمراض معدية لدى إحدى الشحنات، غير أنّ الإجراءات القانونية اللازمة لمنع دخولها لم تتخذ.
كما كشفت التحريات أنّ لجنة بيطرية أوفدت لاحقا لتبرير الوضعية الصحية للقطيع، رغم افتقار بعض أعضائها للخبرة، ما أدى إلى السماح بإنزال الشحنة، وهو ما تسبّب لاحقا في نفوق 3615 رأسا من الأغنام.
أمّا في الجانب المالي والتعاقدي، فقد سجّلت التحقيقات مخالفات تتعلّق بقواعد الصفقات العمومية واستغلال الوظيفة والنفوذ وتبديد الأموال العمومية، وهي الوقائع التي دفعت بالنيابة إلى متابعة 41 مشتبها به أمام القطب الجزائي الاقتصادي والمالي، مع إيداع 13 منهم الحبس المؤقت ووضع الآخرين تحت الرقابة القضائية.
تؤكّد هذه الإجراءات أنّ الدولة لم تكتف بإطلاق عملية استثنائية لفائدة المواطنين، بل حرصت أيضا على حماية هذا القرار السيادي من أي انحراف أو تلاعب أو استغلال، وترجمة مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ومبدأ عدم الإفلات من العقاب على أرض الواقع، مهما كانت صفة المتورّطين.
كما تعكس هذه التحقيقات، أسلوبا جديدا في تسيير الشأن العام يقوم على المتابعة المستمرة للقرارات من لحظة اتخاذها إلى غاية تقييم نتائجها، مع عدم التردّد في فتح التحقيقات وترتيب المسؤوليات كلما ثبت وجود تقصير في أداء المهام أو تجاوزات، كما تؤكّد نظرة الدولة تجاه ظاهرة الفساد، بأنها ليست حملة ظرفية، وإنما خيار استراتيجي يرافق مختلف البرامج والمشاريع، خاصة تلك التي تمسّ الحياة اليومية للمواطنين.
فإذا كان قرار استيراد الأضاحي قد جسّد تضامن الدولة مع المواطنين وحرصها على تمكينهم من أداء شعيرة العيد في أحسن الظروف، فإنّ فتح التحقيق ومتابعة المتورّطين -وفق قانونين- يؤكّدان أنّ حماية هذا القرار لا تقل أهمية عن اتخاذه، وأنّ كل من يحاول العبث بالمال العام أو الإضرار بمصالح المواطنين سيجد نفسه أمام العدالة، تجسيدا لتوجيهات رئيس الجمهورية بأنّ الدولة التي تحمي المواطن، تحاسب أيضا كل من يسيء إلى قراراتها أو يستغلها لتحقيق مصالح شخصية.




