تمثل محطة تحلية مياه البحر الجاري إنجازها بمنطقة العربي بن مهيدي ببلدية فلفلة، ولاية سكيكدة، أحد أكبر المشاريع الهيكلية التي تعوّل عليها الجزائر لتعزيز الأمن المائي ودعم التنمية الاقتصادية، في ظلّ التحديات المتزايدة المرتبطة بندرة الموارد المائية والتوسّع العمراني والصناعي. وبطاقة إنتاجية تبلغ 140 ألف متر مكعب يومياً.
تندرج المنشأة ضمن الاستراتيجية الوطنية الرامية إلى تنويع مصادر التزود بالمياه والاعتماد على الموارد غير التقليدية لضمان استدامة التنمية.المشروع يعكس توجّها استراتيجيا نحو بناء منظومة مائية أكثر قدرة على مواكبة متطلبات النمو الاقتصادي، خاصة في الولايات الساحلية ذات النشاط الصناعي الكثيف، حيث أصبحت تحلية مياه البحر خياراً هيكلياً يضمن استقرار التموين بالمياه، ويحد من الضغط المتزايد على السدود والموارد الجوفية التي تأثرت خلال السنوات الأخيرة بفعل التقلبات المناخية وتراجع معدلات التساقط.
وباستثمار يفوق 100 مليون دولار أمريكي، ستوفر المحطة مورداً مائياً مستداماً يخدم في الوقت نفسه الاحتياجات المنزلية والاقتصادية، إذ سيخصّص جزء معتبر من إنتاجها لتزويد نحو 600 ألف نسمة بالمياه الصالحة للشرب، بما من شأنه تحسين الخدمة العمومية، والرفع من انتظام التوزيع، والاستجابة للطلب المتزايد الذي تشهده الولاية، خاصة خلال فصل الصيف الذي يتزامن مع ارتفاع الاستهلاك وتوافد أعداد كبيرة من المصطافين.وفي المقابل، سيوجّه جزء مهم من المياه المنتجة إلى القطب الصناعي بسكيكدة، الذي يعد من أهم الأقطاب الطاقوية والبتروكيميائية في الجزائر، ويضمّ منشآت استراتيجية في مجالات تكرير النفط والصناعات البتروكيميائية وإنتاج الأسمدة. ويشكل تأمين احتياجات هذه المنشآت من المياه عاملاً أساسيا لضمان استمرارية الإنتاج، وتحسين تنافسية المنطقة الصناعية، وتهيئة الظروف لاستقطاب استثمارات جديدة في مختلف القطاعات المرتبطة بالطاقة والصناعة التحويلية.
وتمتد مساهمة المشروع إلى دفع عجلة التنمية المحلية، من خلال خلق ديناميكية اقتصادية خلال مرحلتي الإنجاز والاستغلال. فمن المنتظر أن يوفر المشروع قرابة 1000 منصب شغل أثناء الأشغال، وأكثر من 100 منصب دائم بعد دخوله الخدمة، فضلاً عن تنشيط المؤسسات المحلية العاملة في مجالات الأشغال العمومية، والهندسة، والنقل، والمناولة، والخدمات التقنية، بما يعزز النسيج الاقتصادي المحلي ويرفع من مساهمة المؤسسات الوطنية في إنجاز المشاريع الكبرى.
ويبرز هذا المشروع أيضاً تطور القدرات الوطنية في مجال إنجاز محطات تحلية مياه البحر، من خلال الاعتماد على مؤسسات جزائرية في مختلف مراحل الإنجاز، سواء من حيث التمويل أو الدراسات أو التنفيذ، وهو ما يعكس تراكم الخبرات الوطنية في إنجاز البنى التحتية الاستراتيجية، وتقليص الاعتماد على الخبرة الأجنبية في هذا النوع من المشاريع ذات التكنولوجيا المتقدمة.
وتتواصل أشغال الإنجاز وفق برنامج زمني لا يتجاوز 36 شهراً، مع اعتماد أساليب حديثة في تسيير المشاريع تتيح تنفيذ عدة مراحل بالتوازي، بما يساهم في تقليص آجال الإنجاز وضمان دخول المحطة حيز الخدمة في أقرب الآجال، للاستجابة للحاجيات المتزايدة للمواطنين والقطاع الاقتصادي.
ويرى مختصون أن هذه المنشأة ستشكل ركيزة أساسية في تعزيز الأمن المائي بولاية سكيكدة، ليس فقط من خلال ضمان مورد مائي مستدام، وإنما أيضاً عبر إعادة توجيه الموارد التقليدية نحو الاستخدامات الفلاحية والبيئية، بما يحقق توازناً أفضل في استغلال الموارد المائية ويعزز القدرة على مواجهة فترات الجفاف.
والمشروع يندرج ضمن رؤية وطنية أشمل تهدف إلى توسيع شبكة محطات تحلية مياه البحر على طول الساحل الجزائري، بما يجعل المياه المحلاة أحد الأعمدة الرئيسية للأمن المائي في المستقبل، ويؤسس لمرحلة جديدة من التنمية المستدامة، قوامها توفير الموارد الضرورية لدعم النمو السكاني والعمراني والصناعي، مع الحفاظ على الثروات المائية الطبيعية للأجيال القادمة.
وبفضل موقعها الاستراتيجي واحتضانها لأحد أهم الأقطاب الصناعية في البلاد، تبدو سكيكدة من أبرز الولايات المرشحة للاستفادة من هذا المشروع، الذي من المنتظر أن يحدث تحوّلا نوعيا في إدارة الموارد المائية، ويعزّز في الوقت ذاته قدرة الولاية على مواصلة مسارها التنموي والصناعي وفق أسس أكثر استدامة وكفاءة.



