رؤى متقاربـــة بشــــأن عــــدد مـن القضايــا الإقليميــة والدوليـة
تجمع الجزائر وإسبانيا علاقات متينة تقوم على المصالح الاقتصادية والسياسية والثقافية، ويعززها القرب الجغرافي وتشابك المصالح في منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط. كما تكتسي هذه العلاقات أهمية متزايدة في ظل التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم، وما أفرزته من تحديات مرتبطة بأمن الطاقة، والاستقرار الإقليمي، والهجرة غير النظامية، والجريمة المنظمة، الأمر الذي يجعل التشاور والتنسيق بين البلدين أكثر إلحاحاً.
يتقاسم البلدان رؤى متقاربة بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، إلى جانب ملفات الأمن والهجرة ومكافحة الجريمة المنظمة. كما يرتكز التعاون الثنائي على شراكة طاقوية استراتيجية، جعلت الجزائر أحد أهم مموني إسبانيا بالطاقة، وفي مقدمتها الغاز الطبيعي المنقول عبر أنبوب “ميدغاز”.
وتشير البيانات المتداولة إلى أن الجزائر تتصدر قائمة موردي الغاز الطبيعي إلى إسبانيا، إذ يغطي الغاز الجزائري نحو 40 بالمائة من إجمالي واردات السوق الإسبانية، عبر أنبوب “ميدغاز” الممتد على مسافة 210 كيلومترات، وهو ما يعكس المكانة المحورية التي تحتلها الجزائر في ضمان أمن الطاقة الإسباني.
وعلى الصعيد التجاري، شهدت المبادلات بين البلدين انتعاشاً لافتاً عقب استعادة العلاقات الاقتصادية زخمها، حيث تجاوز إجمالي حجم التبادل التجاري 8.5 مليار يورو، مدعوماً بالارتفاع الكبير في صادرات الطاقة الجزائرية، وهو ما انعكس على الميزان التجاري الذي سجل فائضاً لصالح الجزائر.
وتُظهر الإحصائيات الرسمية أن الجزائر تصدر إلى إسبانيا نحو 10 مليارات متر مكعب من الغاز سنوياً، فيما تراوح حجم صادرات النفط الخام بين 56 ألف برميل يومياً و116 ألف برميل يومياً، وهو أعلى مستوى سُجل خلال شهر أفريل الماضي. وبذلك تحتل إسبانيا المرتبة الثالثة ضمن أكبر مستوردي النفط الجزائري، بعد فرنسا وكوريا الجنوبية، إلى جانب وارداتها من المشتقات البترولية.
وبلغت القيمة الإجمالية للواردات الإسبانية من الجزائر نحو 6.296 مليار يورو، تشكل المحروقات الجزء الأكبر منها. وفي المقابل، ارتفعت الصادرات الإسبانية نحو الجزائر إلى 2.133 مليار يورو، بعدما كانت في حدود 332 مليون يورو خلال فترة فتور العلاقات الاقتصادية، مدفوعة بإعادة تفعيل المعاملات البنكية وآليات المقاصة المالية بين البلدين. كما سجلت الصادرات الإسبانية نمواً تجاوز 162 بالمائة، فيما حافظت الجزائر على فائض تجاري يقدر بنحو 4.163 مليار يورو.
الطاقة الخضراء… رهان المرحلة المقبلة
يمثل التعاون في مجال الطاقات المتجددة أحد أبرز محاور الشراكة المستقبلية بين الجزائر وإسبانيا، حيث يبرز الهيدروجين الأخضر بوصفه ركيزة أساسية في مسار الانتقال الطاقوي الذي يعتمده البلدان.
وفي هذا الإطار، تعمل شركة “سوناطراك” بالتعاون مع مجمعات إسبانية كبرى، من بينها “سيبسا”، على تطوير مشاريع لإنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر نحو السوق الإسبانية. وتستفيد هذه المشاريع من البنية التحتية التي تمتلكها الجزائر، وفي مقدمتها شبكة أنابيب الغاز الممتدة نحو أوروبا، فضلاً عن تنافسية تكلفة الإنتاج، التي تتراوح بين 4.6 و5.2 يورو للكيلوغرام الواحد.
كما تتطلع إسبانيا إلى توسيع تعاونها مع الجزائر للاستفادة من الإمكانات الكبيرة التي تزخر بها في مجال الطاقة الشمسية وإنتاج الهيدروجين الأخضر، من خلال إنشاء مراكز إنتاج متكاملة ومرافق لإنتاج الهيدروجين السائل، بما يسهم في تلبية احتياجات السوق الأوروبية من مصادر الطاقة منخفضة الكربون.
وتعزز هذه التوجهات المكانة الاستراتيجية التي تتمتع بها الجزائر، بفضل موقعها الجغرافي ومواردها الشمسية الهائلة في الصحراء الكبرى، والتي تؤهلها لتكون من أبرز منتجي الهيدروجين الأخضر في إفريقيا. وتشير الدراسات إلى أن الجزائر تمتلك مقومات تصدير تصل إلى 10 ملايين طن سنوياً نحو الأسواق الأوروبية.
تنسيق أمني لمواجهة التحديات المشتركة
ويمثل التعاون الأمني أحد المحاور الأساسية في العلاقات الجزائرية الإسبانية، في ظل التحديات المشتركة التي تواجه البلدين، وعلى رأسها الهجرة غير النظامية، والجريمة المنظمة العابرة للحدود، والاتجار بالبشر، ومكافحة الإرهاب.
ويحرص الجانبان على تعزيز التنسيق الميداني وتبادل المعلومات والخبرات، بما يدعم جهود حماية الحدود البحرية والتصدي لشبكات التهريب. وفي هذا السياق، أسفرت أشغال اللجنة المشتركة للتعاون الأمني الجزائرية الإسبانية، المنعقدة بمدريد في 13 أكتوبر 2025، عن الاتفاق على تبادل الحلول التقنية الخاصة بالكشف عن الوثائق المزورة، إلى جانب تبادل الخبرات المتعلقة بإنشاء مراكز استخبارات متخصصة في مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
كما شهد شهر أكتوبر من السنة نفسها زيارة وزير الداخلية الإسباني، فرناندو غراندي مارلاسكا، إلى الجزائر، حيث أجرى محادثات مع وزير الداخلية والجماعات المحلية والتهيئة العمرانية، تناولت سبل تعزيز التعاون الأمني، وتنسيق الجهود في مكافحة الهجرة غير النظامية، وتأمين الحدود البحرية، والتصدي للاتجار بالمخدرات، إلى جانب التعاون في مجالات أمن الطرقات وإدارة الكوارث والحماية المدنية.
وفي ملف استرجاع الأموال المنهوبة، تبدي إسبانيا تعاوناً مع الجزائر في معالجة طلبات المساعدة القضائية، وهو المسار الذي حظي بإشادة رئيس الجمهورية، بالنظر إلى أهميته في دعم جهود مكافحة الفساد واستعادة الأصول المحولة إلى الخارج.
