أكد السيناريست ياسين بوغازي أن “سينما الموبايل” تمثل أحد أشكال التطوّر الطبيعي لوسائل صناعة الفيلم، وليست بديلا عن السينما التقليدية أو تحديا لها، مشيرا إلى أن الهاتف الذكي، بفضل التطوّر الكبير الذي شهدته كاميراته وإمكاناته التقنية، أصبح قادرا على إنتاج أفلام احترافية تستوفي قواعد السينما وأسسها.
وأوضح بوغازي في تصريح لـ«الشعب”، أن سينما الموبايل ليست سوى تجارب سينمائية تُنجز باستخدام كاميرا صغيرة متوفرة في الهاتف المحمول، معتبرا أن ارتباطها بالهاتف الذكي قد يوحي للبعض بسهولة إنجازها أو يقلل من قيمتها السينمائية، غير أن الواقع، حسبه، يختلف عن ذلك، خصوصا مع التطوّر الكبير الذي عرفته الهواتف الحديثة، وما توّفره من إمكانات تقنية متقدّمة في التصوير ومعالجة الصورة والألوان.
وأضاف أن السينما، منذ بداياتها الأولى، ارتبطت بالتطوّر التكنولوجي، سواء على مستوى الصورة أو الصوت، مستشهدا بالتجارب الأولى للأخوين لوميير، اللذين اشتغلا بالإمكانات التقنية المتاحة في عصرهما، ومن هذا المنظور، يرى أن سينما الموبايل تمثل “سينما موازية” للسينما المتعارف عليها، تختلف عنها أساسا في وسيلة التصوير والإمكانات التقنية، بينما تظلّ الجوانب الفنية والسينمائية للعمل قائمة على العناصر نفسها، من قصة وممثلين ورؤية إخراجية وصورة وصوت.
وفيما يتعلّق بما يمكن أن تضيفه أفلام الموبايل إلى اللغة السينمائية، يرى السيناريست والناقد أن هذه التجارب لا تقدّم لغة سينمائية جديدة بالمعنى الدقيق، باعتبارها تعتمد اللغة السينمائية نفسها التي تستخدمها الكاميرات الاحترافية، غير أن الاختلاف يكمن في الإمكانات التقنية المتاحة، والتي قد تؤثر في مستوى التعبير وقوة التأثير البصري والسمعي. ويشدّد بوغازي على أن الإبداع يظلّ العامل الحاسم في نجاح أي تجربة سينمائية، مؤكدا أن امتلاك شاب لموهبة حقيقية في السينما والإخراج يمكنه من تقديم فيلم متماسك وقوي، يحقق رؤيته الفنية ويصل إلى الجمهور، بغض النظر عن الوسيلة التقنية التي استخدمها في إنجازه.
ويوضح بوغازي أن سينما الموبايل لا تشكّل تحديا للسينما، مهما كان المقصود بمفهوم “السينما الكلاسيكية”، سواء تعلق الأمر بمرحلة فنية وتاريخية معينة أو بالسينما التي سبقت التطورات التكنولوجية الكبرى في الصورة والصوت، ويؤكد أن سينما الموبايل ليست سوى أسلوب حديث تُكيّف مع التطورّ التكنولوجي، مستفيدا من الإمكانات التي يوفرها الهاتف، من تقريب وزوم وتحكم في الألوان وغيرها، من أجل تصوير فيلم يقوم على قصة وممثلين ورؤية إخراجية، ثم يخضع لعمليات المونتاج والمعالجة ليصبح عملا سينمائيا متكاملا. ويضيف أن الأمر لا يعدو أن يكون “تطورا طبيعيا في وسائل صناعة الفيلم”، مشدّدا على أن لكل مرحلة من مراحل السينما ووسائل إنتاجها خصائصها ومميزاتها، ولا يمكن لوسيلة جديدة أن تلغي بالضرورة ما سبقها.
فالسينما الناطقة ـ يقول محدثنا – لم تلغِ السينما الصامتة، والسينما الرقمية لم تلغِ السينما المصورة، وإنما أضافت إليها إمكانات جديدة وسعت آفاق التعبير السينمائي، مع بقاء جوهر السينما قائما على السرد بالصورة والصوت.
كما يؤكد ياسين بوغازي أن الهواتف الذكية المتطوّرة، المزودة بكاميرات عالية الدقة وقدرات متقدمة في معالجة الألوان وإظهار الأبعاد والتحكم في الصورة، قادرة على إنتاج أفلام احترافية “بنسبة مائة في المائة”، ويمكنها تقديم فيلم يستوفي قواعد السينما وأسسها، موضحا أن جودة الصورة في مرحلة التصوير تنعكس إيجابا على مراحل المونتاج والمعالجة التقنية وما بعد الإنتاج، بما يسمح في النهاية بإنجاز فيلم احترافي قادر حتى على المشاركة في المهرجانات الدولية، غير أنه يلفت إلى أن تحقيق هذه النتيجة يظلّ مرتبطا بمستوى التطوّر التكنولوجي في مجال الصورة والصوت، وبالإمكانات التي توفرها الوسائل المستخدمة، فضلا عن الكفاءة الفنية والخبرة الإبداعية لمن يقف وراء العمل.
وفي حديثه عن تنظيم مهرجانات خاصة بسينما الموبايل في الجزائر، يرى بوغازي أن تنظيم مثل هذه التظاهرات بطريقة احترافية أصبح أمرا ضروريا، مؤكدا دعمه لهذه المبادرات التي تفتح المجال أمام الطاقات الشابة وتشجّعها على خوض التجربة السينمائية، غير أنه يميز بين تشجيع المبادرات الفردية وبين قيام صناعة سينمائية متكاملة، موضحا أن الصناعة السينمائية منظومة معقّدة ومتكاملة، تتداخل فيها الكتابة والإنتاج والتوزيع والجوانب التجارية والتقنية.







