مشاريع «صيدال».. منظومة صناعية متكاملة ذات قيمة مضافة عالية
توطين التكنولوجيا البيولوجية لضمان الأمن الصحي واستقرار السوق
تتجه الجزائر إلى توسيع قاعدة إنتاجها الدوائي المحلي، في مسار ينسجم مع توجيهات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون الرامية إلى دعم الإنتاج الوطني وتقليص الاستيراد والحفاظ على موارد البلاد من العملة الصعبة، وتشجيع الصناعة المحلية وتقليص التبعية للخارج. فكلما ارتفعت قدرة المصانع الجزائرية على تغطية الطلب بمنتجات «صنع في الجزائر»، تقلصت الحاجة إلى استيراد المنتجات الجاهزة، بما يسمح بالحفاظ على موارد البلاد من العملة الصعبة وتوجيهها نحو احتياجات واستثمارات ذات أولوية.
لم يعد الرهان مقتصرا على توفير الأدوية الأكثر تداولا في السوق، بل امتد إلى منتجات ذات طابع استراتيجي، في مقدمتها الأدوية المضادة للسرطان واللقاحات، بما يعزز حضور منتج «صنع في الجزائر» ويمنح الصناعة الصيدلانية دورا أكبر في تحقيق الأمن الصحي والاقتصادي.
ويأتي تسريع إنجاز مشروعي صيدال لإنتاج أدوية السرطان بقسنطينة واللقاحات بعنابة، مع استهداف دخولهما حيز الاستغلال قبل نهاية 2027، ليعكس هذا التوجه بوضوح، فكل توسع في الإنتاج المحلي يعني – متى توفرت القدرة على تغطية الطلب والجودة المطلوبة – تقليص اللجوء إلى استيراد المنتجات الجاهزة، وبالتالي، الحد من خروج العملة الصعبة، ورفع القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني، وبناء قاعدة صناعية متكاملة تشمل المواد الأولية والتصنيع والتعبئة والتطوير، بما يسمح للجزائر بالانتقال تدريجيا من تغطية الاحتياجات الدوائية إلى توطين الصناعات الصيدلانية ذات القيمة المضافة العالية، مع فتح المجال مستقبلا أمام التصدير نحو الأسواق الإفريقية.
وجاء الاجتماع التقني الذي ترأسه وزير الصناعة الصيدلانية وسيم قويدري بداية الأسبوع الجاري، لمتابعة مشاريع المجمع العمومي «صيدال»، في هذا السياق، ولقد شدد الوزير على ضرورة تسريع وتيرة إنجاز مشروعي إنتاج الأدوية المضادة للسرطان بولاية قسنطينة واللقاحات بولاية عنابة، مع احترام الآجال المحددة لدخولهما حيز الاستغلال قبل نهاية الثلاثي الرابع من سنة 2027.
أمان الجزائريين..
وتتحرك هذه المشاريع انطلاقا من قاعدة صناعية صيدلانية أصبحت بارزة خلال السنوات الأخيرة، فقد أكد المدير العام للمركز الإفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها، جان كاسيا، في جويلية 2026، أن الجزائر تنتج أكثر من 80 بالمائة من احتياجاتها من المنتجات الصحية، معتبرا إياها من بين الدول القليلة عالميا التي تمتلك هذه القدرة.
وكان المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، قد أكد – بدوره – في نوفمبر 2025 أن الجزائر تمكنت من تغطية أكثر من 80 بالمائة من حاجياتها الدوائية محليا، واصفا تجربتها في الصناعة الصيدلانية بأنها نموذج يمكن الاستفادة منه إفريقيا وعالميا.
قاعدة لإنتاج أدوية السرطان
يمثل مشروع إنتاج الأدوية المضادة للسرطان في قسنطينة أحد أبرز محاور هذه الاستراتيجية. ويأتي ضمن المنشآت التابعة لمجمع «صيدال» بالولاية، حيث سبق للمجمع أن أوضح أن مصنع قسنطينة 3 سيخصص لمشروع إنتاج الأدوية المضادة للسرطان.
ولا تقتصر أهمية المشروع على إنتاج أدوية إضافية للسوق الوطنية، فهي ترتبط بطبيعة المنتجات التي يستهدفها، باعتبار أن أدوية علاج السرطان من بين المنتجات التي تتطلب مستويات عالية من التحكم التكنولوجي والجودة والتصنيع المتخصص.
وتسعى بلادنا إلى توسيع قاعدة التصنيع المحلي في مجال كانت فيه الحاجة إلى الاستيراد أكثر حساسية من العديد من أصناف الأدوية التقليدية، بما يمكن أن يدعم استقرار التموين ويقلل تعرض السوق للتقلبات الخارجية، كما أن توجه «صيدال» نحو هذا النوع من الصناعات يتكامل مع مشاريع أخرى لتصنيع المواد الأولية، إذ أعلنت وزارة الصناعة الصيدلانية في جانفي 2026 إطلاق عدة مشاريع عبر الوطن لإنتاج المواد الأولية الموجهة لصناعة الأدوية، مع توقعات بتقليص فاتورة استيراد هذه المواد بنسبة 60 بالمائة على المدى القريب.
اللقاحات.. مشروع بمستوى عالمي
وفي عنابة، يتخذ المسار بعدا آخر من خلال مشروع إنتاج اللقاحات بمنطقة البوني الصناعية، فالمشروع، الذي وضع حجر أساسه في سبتمبر 2025، يقام على مساحة 22,267 مترا مربعا، وتقدر مدة إنجازه بـ24 شهرا، وتخصص الوحدة في مرحلتها الأولى لإنتاج اللقاحات المدرجة ضمن البرنامج الوطني للتلقيح، على أن يتوسع نشاطها لاحقا ليشمل لقاحات متخصصة أخرى.
ويكشف ذلك عن تصور صناعي لا يتوقف عند إنتاج صنف واحد، وإنما يقوم على إنشاء قاعدة قابلة للتوسع وفق احتياجات المنظومة الصحية.
ويأتي المشروع في وقت كانت الجزائر قد عرفت تجربة في إنتاج اللقاحات، فقد بدأ مجمع «صيدال» إنتاج اللقاح المضاد للإنفلونزا محليا في قسنطينة في إطار شراكة مع طرف أجنبي، فيما شهد مصنع قسنطينة 1 سابقا إنتاج اللقاحات بطاقة بلغت 96 مليون لقاح سنويا، وفق معطيات منشورة من المجمع.
إن مشروع عنابة مرحلة جديدة في توسيع منظومة الإنتاج، خصوصا مع توجه الجزائر إلى تطوير قدراتها في مجال اللقاحات وفتح المجال أمام الاستجابة للطلب المحلي وإمكانية التوجه لاحقا إلى الأسواق الخارجية.
الأمن الدوائي أساس الأمن الصحي
يتجاوز مفهوم هذه الاستثمارات تقليص فاتورة الاستيراد، فالرهان الأساسي يتعلق ببناء منظومة صناعية متكاملة تبدأ من المادة الأولية ولا تنتهي عند المنتج الصيدلاني النهائي.
وهذا ما يفسر اهتمام السلطات العليا في البلاد خلال الفترة الأخيرة بإنتاج المواد الأولية، إلى جانب تطوير الأدوية المتخصصة واللقاحات والمنتجات البيولوجية.
وفي جوان 2026، دشنت وزارة الصناعة الصيدلانية في وهران أول وحدة متخصصة في تصنيع الأجسام المضادة وحيدة النسيلة في الجزائر، وهي أدوية بيولوجية متقدمة موجهة لعلاج عدد من الأمراض، وفي مقدمتها السرطان.
ويعطي هذا التطور مؤشرا على انتقال الصناعة الصيدلانية الجزائرية تدريجيا من التركيز على المنتجات التقليدية إلى مجالات أكثر تعقيدا من الناحية التكنولوجية.
شراكات وتكنولوجيا.. الرهان
ولا يمكن بناء صناعة دوائية متقدمة بالاعتماد على البنية الصناعية وحدها، إذ تحتاج المنتجات ذات التكنولوجيا العالية إلى شراكات ونقل للمعرفة وتكوين الكفاءات وتطوير البحث.
وفي هذا الإطار، يكتسب التعاون الدولي أهمية خاصة، لاسيما أن الجزائر تسعى إلى توسيع قدراتها في مجال اللقاحات والأدوية وربطها أيضا بالبعد الإفريقي.
وفي جويلية 2026، بحث وزير الصناعة الصيدلانية مع المدير العام للمركز الإفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها سبل تعزيز التعاون في تطوير صناعة الأدوية واللقاحات في إفريقيا، بما يدعم الأمن الصحي للقارة، وهنا تبرز فرصة أخرى للصناعة الجزائرية، تتمثل في تحويل السوق الإفريقية إلى مجال لتصدير المنتجات الدوائية الجزائرية، بدل أن يظل تطوير القدرات الإنتاجية موجها حصريا إلى تلبية الطلب الداخلي.
صيدال.. توسيع القاعدة الإنتاجية
تندرج مشاريع قسنطينة وعنابة ضمن سلسلة أوسع من المشاريع التي يعمل مجمع «صيدال» على إنجازها أو إعادة بعثها. ففي فيفري 2026، أشرف وزير الصناعة الصيدلانية على إعادة بعث مشروع وحدة صناعية في مستغانم لإنتاج المواد الأولية واللقاحات البيطرية التابعة للمجمع العمومي، في خطوة تعكس توجها نحو تنويع مجالات الإنتاج وعدم حصر النشاط في الأدوية البشرية فقط.
كما أعلن المجمع عن مشاريع لإنجاز وحدات إنتاجية في ثلاث ولايات جنوبية، في إطار استراتيجية تهدف إلى توسيع الصناعة الصيدلانية وتحقيق الأمن الدوائي بمختلف مناطق الوطن.
وتشير هذه المشاريع مجتمعة إلى محاولة إعادة بناء دور «صيدال» كأداة صناعية عمومية قادرة على الاستثمار في المنتجات التي تتطلب إمكانات أكبر، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمنتجات ذات أهمية استراتيجية للسوق الوطنية.
2027.. موعد الجاهزية
وبالنسبة لمشروعي قسنطينة وعنابة، يمثل تحديد نهاية الثلاثي الرابع من 2027 كأجل لدخول المشروعين حيز الاستغلال محطة مهمة في تقييم مدى قدرة القطاع على تحويل المشاريع المبرمجة إلى وحدات إنتاج فعلية، فالرهان لا يتعلق بإتمام الأشغال فقط، وإنما ببدء إنتاج يستجيب لمعايير الجودة، ويوفر كميات كافية للسوق، ويقلل الحاجة إلى الاستيراد، ويفتح في مرحلة لاحقة إمكانية التصدير.
ومن هذا المنظور، فإن تعليمات الوزير بتسريع الإنجاز واحترام الآجال تحمل بعدا اقتصاديا وصحيا في آن واحد: كل وحدة إنتاج جديدة في مجال استراتيجي تعني توسيع قاعدة الإنتاج المحلي، وكل مادة أولية يتم تصنيعها محليا تعني تقليص حلقة من حلقات التبعية للخارج.
ومن هنا تشكل سنة 2027 محطة إضافية في مسار الانتقال من تغطية جزء كبير من الاحتياجات الصحية محليا إلى توطين الصناعات الدوائية ذات القيمة المضافة العالية، مع إمكانية تحويل هذه القدرات مستقبلا إلى رافد جديد للصادرات الجزائرية نحو الأسواق الإفريقية.


