الثقافة عصيانٌ خطير على كل ما هو مألوف ومكرّس، واغتصاب العالم بالفكرة والعبث بخارطة الأشياء، لا يؤرقها الحصول على شهادة حسن سير وسلوك من مختار الحارة؛ فهي الفضوليّة المُشاكسة للممكن والمعرفة المُعلّبة، حيث لا تقع لغتها في فخ الترصّد للسائد، بل تحاول شرحها خارج توقيت المعقول؛ لأنّها القفز في المجهول بدلا عن مواصلة السطر، وتجاوز الاستثناءات الراسخة في الكفاءة، وهي قطع تذكرةٍ إلى الذات محفوفةٍ بالوحشةِ الشرسة، وإدّعاء التفاحة قبل نضوج الندم.
لتكون مثقفا لابُدَّ أن تشنَّ المشارق الجديدة، وتتشرّد في القوافي المالحة، ولا تعوّل على الصمت في القبض على كبريائه؛ لأنّه لا يصفه ولا يدل عليه، وأن لا يحتملَ ضميرك كلفة الهروب وأن لا تتناقص في جملتك حد اليأس، وأن تدفع الموت بقوّة العطش عن هدوء كلماتك.
يُقال: «وحده المثقف الذي يُعيد النظر في علاقتهِ مع العالم، ومع الأشياء كلّما تغيّر شيء في حياته»، والمثقف – من وجهة نظري – يقدّم العلاقة بين الزمان والمكان والجرح كميثاقٍ غليظ ويمنح الكلمة ذاكرة أقدم من الحجر، ويفتح جرحا حقيقيّا؛ فهناك فرقٌ عميق بين ما يُقال كأخبار لغويّة محسّنة وبين رؤى تستولد حالة ترفض الانغلاق والتهميش.
وبعض المثقفين المنافقين قلمٌ للشيطان يتعالون بفلسفات محيّرة؛ كي يثبتوا سمو مكانتهم كمنقذين للبشرية، ويتحذلقون بأفانين الثقافة الحديثة، ولسانُ حالِنا يقول: هذه الشخصيات الدون كيشوتية لن تحمل صوتنا يوما ما إلى أي مكان، فالفكرة التي لاتشطرك نصفين؛ نصفٌ يعصف ونصفٌ ناهزت الظلال شكله، تسقط!.
ولعلّ العوام أقل خطرا من أشباه المثقفين، المُدعين الذين يفرضون الحواجز ويسيطرون على المفارق ويفرضون الجزية على مَن لايجاريهم، ويقع تحت رحمةِ تياراتهم، أمّا خلطة الغباء بالثقافة فحدّث ولا حرج لأنّها لاتُنتجُ إلا نقاشا عقيما وأشخاصا يَصعبُ احتواؤهم.
وبين هذا وذاك يقف المثقف الحقيقي (العضوي) بشجاعته الفكريّة وشهادة صحيّة تُثبت خلوّه من الأفكار السارية، ويطرحُ أفكاره الاستباقية البكر؛ فهو لا يتلّقى ما يسمعه ويقرأه كإسفنجة ولايستظهر ما قرأه كببغاء، ولا يتبنّى الأفكار المعلّبة، بل يقرأ قراءة الناقد لا قراءة المُتلقي الأعمى؛ فهو لايثق بلا حجج، ولا يصدّق ببساطة، ولا يقعُ ضحية الأدلجة والتغييب، بلا شكّ هو يسير في أرضٍ ملغومة، محاصرا بالمسلَمات، بالأحكام المُسبقة بالتعصّب، لكنّه يحملُ محورا ثابتا يدور حوله، وتفكيره العلمي النقدي يكشف له البدهيات الزائفة فيطرح الحلول ويقارب قضايا مجتمعه بمرونةٍ عقلية، ولكن يبقى للمثقفين مشكلة تبرير وجودهم ومع كل خطٍ أحمر تعسفي لا يزيدهم الوعي إلّا غربة، ولطالما كانت الثقافة تذكرة سفر تسمح لنا بالتجوّل داخلنا، واكتشاف أقاليم لم يسبق لنا اكتشافها والنهل من ينابيعنا الجوّانية، ولم تكن يوما أن تقول شيئا مُذهلا، وتُعمي الآخرين بنورك، بل أن تكون أنت النور الذي يُهديهم. فالثقافة وليدةُ التأمل، وإرادةُ التمرّد، وصرخة البشر في وجه مصيرهم.
والثقافة أشجارٌ تركت بساتينها وركضت حافية فوق نتوءات الأرض وتحسست حرارتها وحجارتها، ومشت حتى ثقبت الشمس جمجمتها، واقتفت أثرها شقائق النعمان وغزالات الصحراء، والحرية المعصوبة العينين تتلمس طريقها، فجغرافيا السجن واحدة والمواصفات العامّة واحدة والحراسة واحدة، وقد يكون السجن أفكارك أو خوفك.
ومطلوبٌ من المثقف الحق أن لا يهدأ، ولا ينام باكرا، ولا يطيع أبويه، وأن لا يلبس قبعة الأكاديميين؛ لأنَّ كل القبعات أصغر من رأس المفكّر الحر، عندما يحوّل القطيع البلاد إلى تختٍ شرقي تعمل فيه كل آلة على حسابها لتحتكر الليل والنجوم والسامعين.
مَن قال إن الثقافة تجويد اللغة، وشرب البحر وحفظ ألفية بن مالك ومقامات بديع الزمان الهمذاني، أو نطق الحروف على طريقة الغساسنة والمناذرة، إذا كانت أفكارنا كُساحنا الحضاري والعقلي وشللنا النصفي، الذي استوطننا منذ خمسمائة عام، فما فائدة أن نلتقط صورا باهتة لواقعنا غير قابلة للتظهير، عندها سنغرق في شرق الخرافة والحلم أو سنطفو فوق مستنقعاتنا الفلكلورية الراكدة، ولن نضع أقدامنا أبدا في بلاط الحضارة.







