اليوم الوطني للشعر مناسبة للاحتفاء بفنّ لم يكن في تاريخنا العربي ترفا لغويا أو زينة للمجالس، بل كان ديوانا للذاكرة، وسجلا للوجدان، ومرآة صادقة لتحولات الإنسان والمجتمع. فالشعر، منذ أقدم العصور، ظل قادرا على أن يمنح التجربة الإنسانية اسما وصوتا وصورة، وأن يحفظ ما قد تعجز الوثائق وحدها عن حفظه من مشاعر الناس وأحلامهم وانكساراتهم وانتصاراتهم.
وتكمن مكانة الشعر في كونه يتجاوز حدود التعبير المباشر إلى إعادة تشكيل علاقتنا بالعالم. إنه لا يصف الواقع فحسب، بل يكشف طبقاته الخفية، ويمنح الأشياء العادية دلالات جديدة، ويوقظ في اللغة طاقتها على الإدهاش والتأمل. ومن خلال الإيقاع والصورة والخيال، يستطيع الشعر أن يحوّل الألم الفردي إلى إحساس مشترك، وأن يجعل من التجربة الخاصة جسرا يصل بين الإنسان وذاته، وبينه وبين الآخرين.
لقد ارتبط الشعر العربي، على امتداد تاريخه، بقضايا الحرية والكرامة والانتماء، ورافق التحولات الكبرى التي عرفتها المجتمعات العربية. كان صوتا للحب، لكنه كان أيضا صوتا للحق، ومجالا للدفاع عن الإنسان، ووسيلة لمقاومة النسيان والتهميش. ولذلك فإن الاحتفاء به لا ينبغي أن يقتصر على استعادة أمجاده الماضية ، مهما كانت عظيمة، بل يجب أن يتجه كذلك إلى الإنصات إلى الشعر الجديد، بما يحمله من أسئلة مغايرة، ورؤى متجددة ، وتجارب تتفاعل مع المدينة والاغتراب والتحولات الرقمية والقلق الإنساني المعاصر.
والشعر اليوم في حاجة إلى بيئة ثقافية تؤمن بأن الإبداع لا ينمو في العزلة، وإنما في فضاء الحوار، وفي المدارس والجامعات والمنتديات ووسائل الإعلام والمنصات الحديثة. كما أن الشاعر في حاجة إلى قارئ جديد ، وهذا القارئ لا يجب ان ننظر إليه باعتباره متلقيا سلبيا، بل شريكا في إنتاج المعنى. فالنص الشعري الحقيقي لا يغلق أبوابه أمام القارئ، وإنما يترك له مساحة للتأويل، ويحفّزه على أن يرى العالم بعين أكثر حساسية وعمقا.
إنّ اليوم الوطني للشعر يذكّرنا أيضا بأن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي جزء من هويتنا ووعينا وذاكرتنا الجماعية. وحين نحمي الشعر، فإننا نحمي قدرتنا على الحلم، وعلى تسمية الأشياء بأسمائها، وعلى مقاومة القبح والابتذال واللامبالاة. فالشعر لا يغيّر العالم بقرارات مباشرة، لكنه يغيّر الإنسان الذي يستطيع أن يغيّر العالم؛ يوسّع خياله، ويرقّي حسّه، ويجعله أكثر انتباها إلى قيمة الحياة وكرامة الإنسان.
ومن هنا، فإنّ الاحتفاء بالشعر هو احتفاء بالإنسان في أعمق صوره، وباللغة حين تبلغ أقصى طاقتها على الخلق والكشف. إنه دعوة إلى أن نقرأ الشعر لا بوصفه أثرا من الماضي، بل بوصفه حاجة حاضرة ومستقبلا ممكنا؛ حاجة إلى الجمال في زمن القسوة، وإلى المعنى في زمن الضجيج، وإلى صوت يذكّرنا بأن الإنسان، مهما تغيّرت الأزمنة، سيظل محتاجا إلى قصيدة تقول ما يعجز الكلام العادي عن قوله.






