تخوض الجزائر معركة شاملة ضد جريمة المخدرات والمؤثرات العقلية، في إطار استراتيجية وطنية متكاملة للوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية للفترة 2025-2029، صودق عليها في مجلس الوزراء.
تجمع المعركة بين الوقاية والردع والعلاج، إلى جانب مراجعة تشريعية معمقة هدفت إلى تحديث المنظومة القانونية وتكييفها مع تطور الأساليب الإجرامية وتحولات الظاهرة، بما ينسجم مع الأولويات الوطنية ويستجيب للالتزامات الإقليمية والدولية.
ويأتي هذا التشدد في مواجهة شبكات المخدرات تنفيذا لتوجيهات رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، الذي أكد في مناسبات عديدة أن الجزائر تواجه «حربا غير معلنة» سلاحها المخدرات والمؤثرات العقلية، محذرا من الاستهداف الممنهج للشباب الجزائري، ومشددا على ضرورة تعزيز الجهد الوطني والارتقاء بآليات التصدي لهذه الآفة إلى أعلى مستويات النجاعة والفعالية.
ضربة موجعة لبارونات المخدرات
تعكس حصيلة العمليات الأمنية الأخيرة حجم الجهود المبذولة لمحاصرة شبكات الاتجار بالمخدرات والمؤثرات العقلية، حيث كشفت مصالح الأمن الوطني عن حجز أكثر من 10 ملايين و400 ألف كبسولة من المؤثرات العقلية من نوع بريغابالين، إلى جانب 33 كيلوغراما و400 غرام من الكوكايين، منذ شهر جانفي 2026، في عملية وصفت بأنها الأكبر من نوعها في تاريخ الجزائر المستقلة.
وتؤكد هذه الحصيلة اتساع نطاق المواجهة مع شبكات الاتجار غير المشروع، باعتبار المخدرات تهديدا للأمن القومي، بالنظر إلى آثارها التي تتجاوز الفرد لتطال المجتمع، فضلا عن ارتباط هذه التجارة بشبكات إجرامية منظمة تتقاطع أنشطتها مع تهريب الأموال وغسلها وغيرها من أشكال الجريمة العابرة للحدود.
المغرب.. بوابة المخدرات نحو المنطقة
تأتي كميات كبيرة من المخدرات المهربة إلى الجزائر عبر الحدود الغربية والجنوبية، في وقت يحتل فيه المغرب موقعا متقدما عالميا في إنتاج القنب الهندي، ما يجعل المنطقة أمام تحديات متزايدة مرتبطة بتدفق المخدرات نحو دول الجوار ومنطقة الساحل.
وخلال أسبوع واحد، بين 12 و18 أوت 2026، أحبطت مفارز للجيش الوطني الشعبي محاولات إدخال 4 قناطير و4 كيلوغرامات من الكيف المعالج عبر الحدود مع المغرب. كما أسفرت عمليات نوعية أخرى خلال الفترة نفسها عن ضبط 43.5 كيلوغراما من الكوكايين وحوالي 1.94 مليون قرص مهلوس.
وفي العملية الكبرى التي أعلنت عنها مصالح الأمن الوطني مؤخرا، كشفت التحقيقات عن تسيير بارونات مخدرات من جنسية مغربية لنشاطهم من الخارج، بالتنسيق مع شركاء فارين من العدالة وعناصر متورطة في غسل الأموال موجودة في دبي وفرنسا.
حرب بلا هوادة
تخوض الجزائر منذ سنوات مواجهة متواصلة مع شبكات المخدرات، من خلال تفكيكها على مختلف المستويات، بدءا من المهربين وصولا إلى المروجين، بالتوازي مع ملاحقة مصادر تمويلها وعائداتها الإجرامية، بهدف ضرب البنية الاقتصادية والتنظيمية التي تقوم عليها هذه التجارة غير المشروعة.
وتقوم المقاربة الجزائرية على استراتيجية متعددة الأبعاد تجمع بين الوقاية والردع والعلاج، بما يسمح بالتعامل مع الظاهرة من مختلف جوانبها، بدل الاقتصار على الجانب الأمني وحده.
وعلى الصعيد القانوني، تخضع مكافحة جرائم المخدرات وتبييض الأموال لنصوص قانونية متكاملة، في مقدمتها قانون الوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية رقم 04-18، المعدل والمتمم، وقانون الوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ومكافحتهما رقم 05-01، المعدل والمتمم. كما شهدت المنظومة التشريعية تحديثا لمواكبة تطور أساليب الجريمة، من خلال تشديد العقوبات على شبكات الاتجار والبارونات، وتجريم بعض أساليب الترويج الحديثة، وتشديد آليات استهداف العائدات المالية غير المشروعة، بما يساهم في تجفيف مصادر تمويل الشبكات الإجرامية.
وتشمل هذه الجهود أيضا تعزيز الرقابة على مسار الأدوية والمؤثرات العقلية، وحماية الصيدليات من عمليات التسريب غير المشروع لبعض الأدوية، لاسيما العقاقير التي أصبحت تستغل في السوق السوداء، من بينها بريغابالين.
من الوقاية إلى تجنيد المجتمع
تراهن الجزائر، بالتوازي مع الردع الأمني والقانوني، على الوقاية والتحسيس باعتبارهما خط الدفاع الأول لحماية الأجيال الجديدة من مخاطر الإدمان.
وفي هذا الإطار، تنظم مختلف القطاعات حملات وقوافل تحسيسية تستهدف المتمدرسين والشباب، للتعريف بمخاطر المخدرات والمؤثرات العقلية وآثارها الصحية والاجتماعية والنفسية.
كما تم اعتماد آليات للإبلاغ والاستشارة الوقائية داخل المؤسسات التعليمية، إلى جانب تنظيم حملات تشاركية بمساهمة المرصد الوطني للمجتمع المدني والمجلس الأعلى للشباب ووسائل الإعلام، بهدف نشر الوعي وتعزيز المسؤولية الجماعية في مواجهة الظاهرة.
وتتضمن الاستراتيجية الوطنية الشاملة للوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية 2025-2029، كذلك، جانبا علاجيا يقوم على رفع قدرات التكفل بالأشخاص المدمنين، وتوسيع شبكة مراكز معالجة الإدمان والمصالح الطبية المتخصصة، بما يوفر مرافقة صحية ونفسية للمتعافين ويساعدهم على استعادة اندماجهم الاجتماعي.
كما تتيح الأحكام القضائية، في حالات محددة، إخضاع المدمنين للعلاج كبديل عن المتابعة الجزائية، في إطار مقاربة تميز بين المدمن الذي يحتاج إلى التكفل والعلاج وبين الشبكات الإجرامية التي تستهدف تحقيق الأرباح من الاتجار بالمخدرات.
وفي سياق مواز، تعمل السلطات على إشراك المواطن في مكافحة هذه الجريمة، من خلال تشجيع ثقافة التبليغ عن تجار المخدرات ومروجي المؤثرات العقلية. وفي هذا الإطار، صدر المرسوم التنفيذي رقم 26-272، المحدد لشروط وكيفيات منح التحفيزات المالية وغير المالية للأشخاص الذين يساهمون في الكشف عن مرتكبي الجرائم المرتبطة بالمخدرات والمؤثرات العقلية.
تأمين الحدود والتعاون الدولي
تشكل حماية الحدود خط الدفاع الأول في مواجهة شبكات تهريب المخدرات، وهي مهمة تتطلب يقظة دائمة بالنظر إلى اتساع الحدود الجزائرية وتعدد مسالك التهريب التي تستغلها الشبكات الإجرامية.
وقد أثبتت وحدات الجيش الوطني الشعبي المرابطة على الحدود جاهزيتها لإحباط محاولات إدخال المخدرات، بالتوازي مع التنسيق العملياتي بين مختلف أجهزة الأمن والدرك الوطني والجمارك، بما يسمح بتبادل المعلومات وتعقب الشبكات وتفكيك امتداداتها داخل البلاد وخارجها.
وتشارك الجزائر بانتظام في أشغال الهيئات الدولية المختصة، لاسيما دورات لجنة المخدرات التابعة للأمم المتحدة في فيينا، كما تساهم في آليات التعاون وتبادل المعلومات والخبرات المتعلقة بمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية. وفي السياق ذاته، تم انتخاب الخبير الجزائري البروفيسور زبيش يونس عضوا في الهيئة الدولية لمراقبة المخدرات لعهدة 2027-2032، في خطوة تعكس حضور الكفاءات الجزائرية في الهيئات الدولية المتخصصة.
كما انضمت الجزائر إلى التحالف الدولي لمجابهة المخدرات الاصطناعية، في إطار الجهود الرامية إلى تنسيق الاستجابة الدولية للانتشار المتزايد للأقراص المهلوسة والمواد الاصطناعية الجديدة، فيما يشارك الديوان الوطني لمكافحة المخدرات وإدمانها في مختلف آليات التعاون وتبادل البيانات وتحليل مؤشرات سوق المخدرات.

