مثل مجمع التكنولوجيا الأمريكي «ميتا»، المالك لمنصات «فيسبوك» و»إنستغرام» و»واتساب»، مجددا أمام القضاء الفيدرالي في مدينة أوكلاند بولاية كاليفورنيا، في إطار محاكمة جماعية تقودها تسع وعشرون ولاية أمريكية تتهّم الشركة بتصميم منتجات رقمية تنطوي على خطورة متعمّدة وإلحاق أضرار نفسية وسلوكية جسيمة بفئات الأطفال والمراهقين.
ويخضع مسؤولو المجموعة، يتقدّمهم الرئيس التنفيذي مارك زوكربيرغ، لاستجوابات مكثفة يقودها المدعون العامون لولايات كاليفورنيا، كولورادو، كنتاكي ونيوجيرسي، نيابة عن تحالف واسع يضم خمسا وعشرين ولاية أخرى، وتطالب الهيئات القضائية والادعاء العام بفرض تعديلات جذرية على البنية التصميمية للتطبيقات، مع التلويح بعقوبات مالية استثنائية قد تصل إلى 193 مليار دولار، باحتساب غرامة تصل إلى 20 ألف دولار عن كل مخالفة مثبتة لكل مستخدم قاصر، وهو مبلغ قياسي من شأنه التأثير المباشر على التوازنات المالية للمجمع في وقت يخصص فيه اعتمادات استثمارية ضخمة لتطوير قطاع الذكاء الاصطناعي.
استراتيجيــة الادعـاء
تستند الدعوى المرفوعة إلى اتهام «ميتا» بانتهاك القوانين المحلية لحماية المستهلكين، إلى جانب خرق القانون الفيدرالي لحماية خصوصية الأطفال على الإنترنت (COPPA). وتركز استراتيجية الادعاء العام، على غرار المحاكمات السابقة المنعقدة في لوس أنجلوس، على تجريم الهندسة البرمجية للواجهات الرقمية عوض التركيز على طبيعة المحتويات المنشورة عبر الشبكات.
وتتيح هذه المقاربة القضائية تجاوز الحصانة التاريخية الممنوحة لمنصات التواصل الاجتماعي بموجب «المادة 230» من قانون آداب الاتصالات الأمريكي، والتي طالما وفرت حماية للمنصات الرقمية من التبعات القانونية لسلوكيات رواد الإنترنت والجرائم السيبرانية، وأكد المدعي العام لولاية كاليفورنيا، روب بونتا، أن التحقيقات أثبتت قيام الشركة بتطوير منتج شديد الخطورة يستهدف القصر عن دراية مسبقة بآثاره، مع تعمد تضليل العائلات والمجتمعات وتزييف الحقائق المتعلقة بمستوى الأمان الرقمي.
وتعتمد لائحة الاتهام على وثائق وتسريبات داخلية كشفت عنها مسؤولة البيانات السابقة فرانسيس هاوغن عام 2021، وهي الأدلة ذاتها التي مكّنت في مارس المنصرم شابة تبلغ من العمر عشرين عاما من إدانة شركتي «ميتا» و»يوتيوب» بالمسؤولية عن تغذية أعراض الاكتئاب الحاد لديها خلال مرحلة مراهقتها، والحكم بتعويض مالي قدره 6 ملايين دولار، وهو الحكم الذي استأنفته الشركتان مطلع شهر جويلية.
تراكـم الملاحقـات في الولايــات الأمريكية
توجّه السلطات القضائية أصابع الاتهام إلى حزمة من الخصائص التقنية المصمّمة خصيصا لخلق التبعية والإدمان وتغذية الاضطرابات النفسية، وفي طليعتها التمرير اللانهائي للمحتوى (Infinite Scroll)، والتنبيهات الليلية، ومرشحات تجميل الصور (Beauty Filters)، إلى جانب عدادات التفاعل وإبداء الإعجاب.
وتتزامن هذه المحاكمة مع تشديد العقوبات الصادرة ضد المجمع في قضايا موازية، حيث قضت محكمة «سانتا في» بولاية نيو مكسيكو بإلزام «ميتا» بإنشاء صندوق تعويضات بقيمة 567 مليون دولار، يضاف إلى غرامة سابقة قدرها 375 مليون دولار، على خلفية ثبوت إخلال المنصات بحماية القصر من الاستغلال، وتصنيف نشاط الشركة كـ»إخلال بالنظام العام». كما ألزمت المحكمة الشركة بتقييد ساعات استخدام التطبيقات للمراهقين ووقف الإشعارات الليلية لمن هم دون سن الثامنة عشرة.
تحديات استقـرار «ميتــا» المالـي
تتمسّك شركة «ميتا» بنفي ارتكاب أي تجاوزات قانونية، معتبرة في بياناتها الرسمية أن الادعاء العام لم يقدم براهين ملموسة تثبت وقوع أضرار فعلية للمستخدمين داخل الولايات المعنية. وتستند الشركة في خطة دفاعها إلى استعراض تدابير السلامة المدمجة حديثا، وتطوير أنظمة المراقبة الأبوية، والعمل على تأمين البيئة الرقمية.
غير أن الوضعية القانونية للمؤسسة تشهد تعقيدا متزايدا في ظل ملاحقتها من قبل أربع عشرة ولاية أخرى عبر مسارات قضائية منفصلة، بالتوازي مع استعداد آلاف الأفراد لرفع دعاوى تعويضية جماعية استنادا إلى السوابق القضائية، ما يضع عملاق التواصل الاجتماعي أمام اختبارات هيكلية متتالية قد تفرض شروط تسوية قاسية وتحدث تحولات عميقة في النماذج التشغيلية لكبريات الشركات الرقمية العالمية.







