يستمر برواق «الزوارآرت» بالجزائر العاصمة، إلى غاية 24 سبتمبر الجاري، معرض الصور الفوتوغرافية للفنان أكرم مناري، الذي يختار من خلال عدسته الاقتراب من تفاصيل الحياة اليومية في مناطق مختلفة من الجزائر، والوقوف عند العادات والتقاليد والمشاهد التي ما زالت حاضرة في حياة الناس. ويقدم المعرض مجموعة من الصور التي تجمع بين التوثيق والبعد الفني، وتضع أمام الزائر نماذج من الحياة الاجتماعية والثقافية الجزائرية في تنوعها واختلاف فضاءاتها.
ويركز مناري في أعماله على الإنسان بالدرجة الأولى، من خلال التقاط لحظات عفوية من حياة الرجال والنساء والأطفال، ورصد بعض المظاهر التي تميز البيئات المحلية. فلا تقتصر الصور على تسجيل الأماكن أو المناظر، بل تحاول الإمساك بما تختزنه تلك الفضاءات من تفاصيل مرتبطة بأهلها وعاداتهم وطريقة عيشهم. وتظهر في عدد من الأعمال مشاهد من المناسبات والاحتفالات الشعبية، إلى جانب صور لأشخاص بملابسهم التقليدية وفي محيطهم اليومي.
ومن بين المشاهد التي تحضر في المعرض «سبيبة» تيميمون، بما تحمله من طقوس وألوان وحركة، إلى جانب الكتاتيب القرآنية والفانتازيا وبعض اللقاءات الاحتفالية. كما تتوزّع في المعرض صور للأزقة والأمكنة التقليدية، ولقطات لنساء ورجال وأطفال، التقطها الفنان في لحظات تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تكشف الكثير عن طبيعة الحياة في تلك المناطق.
وتمنح هذه الاختيارات للمعرض طابعا توثيقيا واضحا، إذ ينشغل الفنان بتسجيل عناصر من الثقافة المحلية كما عايشها وشاهدها، خاصة ما يتعلّق بالممارسات الاجتماعية واللباس والعلاقات بين الأشخاص والفضاءات التي يحتضنون فيها حياتهم اليومية. وتتحوّل الصورة في هذا السياق إلى وسيلة للاحتفاظ بتفاصيل قد لا تحظى عادة بالاهتمام، رغم قيمتها في قراءة المجتمع والتعرّف على خصوصياته.
كما تحضر في أعمال أكرم مناري عناية بالتفاصيل، سواء من خلال تعابير الوجوه أو حركات الأشخاص أو طبيعة الأمكنة. ويبدو أن الفنان يمنح المشهد وقتا كافيا قبل التقاطه، وهو ما يسمح للصورة بأن تحتفظ بعفويتها، بعيدا عن اللقطات المصطنعة. وتظهر هذه الخاصية بشكل خاص في الصور التي تلتقط الأشخاص أثناء ممارستهم حياتهم العادية أو مشاركتهم في مناسبات جماعية.
ولا تنفصل التجربة الفوتوغرافية لمناري عن اهتمامه بالموروث الثقافي، إذ يحرص على تقديم جوانب من الجزائر المرتبطة بتقاليدها المحلية وخصوصيات مناطقها. ومن خلال تنقله بين فضاءات مختلفة، يجمع صورا تعكس تعدد البيئات الجزائرية، ويضعها في معرض واحد يتيح للمتلقي الانتقال بصريا من منطقة إلى أخرى، ومن مشهد إلى آخر.
وتكشف الأعمال المعروضة كذلك عن علاقة خاصة بين الفنان والمكان، فالأمكنة التي يصورها لا تظهر باعتبارها خلفيات للمشهد فقط، وإنما جزءا من الحكاية التي تحملها الصورة. فالزقاق، والساحة، والكتّاب، ومكان الاحتفال، كلها فضاءات مرتبطة بأشخاص وذكريات وممارسات، وهو ما يمنح الصور بعدا يتجاوز المشهد الفوتوغرافي المباشر.
وفي هذا الجانب، تلتقي القيمة الفنية للأعمال مع قيمتها التوثيقية، إذ يعتمد الفنان على الصورة لتسجيل وجوه وأزياء وطقوس ومشاهد من الحياة المحلية، وفي الوقت نفسه يمنحها معالجة بصرية تقوم على اختيار اللحظة والتكوين والضوء. وتبدو النتيجة أقرب إلى سلسلة من المشاهد التي يمكن قراءتها كل واحدة منها بشكل مستقل، مع احتفاظها بعلاقة واضحة ببقية الأعمال.
ومن خلال هذه التجربة، يقدّم أكرم مناري مقاربة تقوم على الاقتراب من الناس ومحيطهم، والبحث عن الجمال في تفاصيل الحياة العادية. فالوجوه التي تظهر في صوره، والحركات العابرة، والملابس التقليدية، والاحتفالات والمناسبات، كلها تتحوّل إلى مادة بصرية تسجل جانبا من المجتمع الجزائري، وتمنح المتلقي فرصة للتوقف عند تفاصيل ربما اعتاد رؤيتها دون أن ينتبه إلى قيمتها.






