التقيتُ الدكتور صالح عبود صدفةً؛ «فصدفةٌ خيرٌ من ألف ميعاد»، ولم أكن أعرف أنه شاعر وناقد أدبي ومحاضر جامعي.
حين علم أنني أكتب في الأدب، أهداني ديوانه الشعري «طوق ارتياب». وبعد قراءة الديوان، تعرّفتُ إلى الشاعر الدكتور حقًّا؛ تعرّفتُ إلى ملامحه الشعرية المرهفة، ولغته النقية التي تخاطب العقول والقلوب، بغضّ النظر عن المستوى الفكري والتعليمي.
إنه شعرٌ يخاطب البسطاء والمثقفين والمتخصصين، ومن يفهمون لغة الرمز والأسطورة، ومن يتذوقون الشعر لجمالية المعنى والإيقاع.
أنا لست ناقدًا، ومثلي لا ينقد الدكتور صالح عبود، لكنني أكتب رأيي كقارئ يحب الشعر ويكتبه، ويحب الحياة بشكل يومي.
فترى الشاعر صالح عبود يهيم في عيلوط، مسقط رأسه، ويكتبها بكل وجدانية وحنين، كعاشق أضناه الهوى في وصف حبيبته التي يتوق إلى رؤيتها وضمّها ليل نهار، فيقدّس ماءها وترابها. فهي ليست مجرد مسقط رأس الشاعر، بل هي وطنه؛ ضمّت أحلامه وآماله وطفولته. وهو بذلك يرمز إلى الوطن الكبير الذي يحتويه بين جناحيه.
إنه يروي حكاية شعب بأسره تشرد وتاه عنوةً في كل بقاع الأرض. وربما لم يعاصر الشاعر النكبة؛ لأنه لا يزال شابًّا، لكنك تجد، وأنت تقرأ القصيدة، شاعرًا عاش طفولته في عيلوط، يستذكر المأساة والفجيعة، ويستذكر النكبة والتهجير، وما فعله جند الغرباء بشعب أصيل له تاريخه ومجده وحضارته.
ويستذكر الشهداء الذين ربما كان عددهم «أربعين ونيفًا»..سقطوا في صيفٍ، والحناجر حُرّة. لِمَ سقطوا صُوّامًا مدافعين عن أرضهم وبلادهم؟
لكن الشاعر هنا لا ييأس؛ فهو على يقين بأن عيلوط، وهذا الوطن الجريح، سوف تنهض من الماء لتبني نفسها ومجدها من جديد، تمامًا مثل طائر العنقاء الذي ينهض ويبني نفسه من جديد كلما سقط أو احترق.
وهنا يوظّف الشاعر الأسطورة القديمة التي ارتبطت بالحضارة المصرية القديمة، ثم اليونانية، ثم الرومانية، لتكتمل الصورة الشعرية.
وكأنها تقول للقارئ: إن هذا الشعب، مهما احترق بفعل الغزاة، ومهما تشرد، ومهما عانى من قمع وظلم وتدمير، لا بد له أن يعود ليبني نفسه ومجده، مهما طال الزمان.
توظيف الأسطورة هنا في مكانه؛ فالشاعر يقول: «إرادة الشعوب لا تنكسر؛ إذا أرادت استطاعت».
في مقابل كل هذا النزف للوطن، يبحر الشاعر بنا إلى دروب العشق والوجد، فيبدع في شعر الحب والغزل، كما أبدع في النزف والوطن.
وفي اعتقادي، بين الحب والحرب يقف حاجز حرف الراء، ليرسم حدود الضفة الأخرى للوطن؛ فالعشق والحب والمرأة هو الوطن الثاني الذي ننشده ونتغنى به، وأيضًا نموت من أجله.
وأعتقد أن مقولة: «يحق للرجل أن يموت مرتين: مرةً في سبيل الوطن، ومرةً من أجل امرأة جميلة»، بغضّ النظر عن قائلها الأصلي، فإن هذه المقولة تتجسّد في شعر الدكتور صالح عبود بكل دلالاتها وعنوانها وجمالها.
في الحقيقة، الديوان رائع، وبحاجة إلى قراءة مطوّلة وعميقة، وليس مجرد قراءة جمالية فقط.
يُذكر أن الديوان صدر عن دار سهيل عيسى للنشر والتوزيع – كفر كنا، كما أن الدكتور صالح طه عبود دكتور ومحاضر جامعي، من مواليد مدينة حيفا، كبر وترعرع في قرية عيلوط الجليلية. وله العديد من الدراسات والأبحاث حول اللغة العربية والأدب الإسلامي.
صدرت له ست مجموعات شعرية، منها: «ديمة ربيع»، و»ربابتي تعزفني ورقًا»، و»أوراق الغريب»، و»طوق ارتياب»، والعديد من الأعمال الأدبية والدراسات النقدية، ومقالات عدة نُشرت في الصحف والمجلات.
تحياتي للدكتور صالح عبود، وأتمنى له التوفيق في حياته الأدبية والأكاديمية، ونرجو الله أن ينفعنا بعلمه.







