لا يمرّ يوم في قطاع غزة من دون أن يترك القصف الصهيوني أثراً جديداً في حياة الفلسطينيين. غارات جوية وقصف مدفعي وإطلاق نار واستهدافات وقصف منازل بعد تحذيرها واغتيالات تتكرّر في مناطق مختلفة من القطاع، فيما يجد الغزيّون أنفسهم مجدّداً في مواجهة الخطر، رغم مرور 11 شهراً على إعلان وقف إطلاق النار.
بينما يفترض أن يكون الاتفاق بداية لمرحلة من الاستقرار ووقف إراقة الدماء، تكشف الوقائع الميدانية والأرقام الفلسطينية عن استمرار العمليات العسكرية وارتقاء شهداء وتوسيع سيطرة الاحتلال على الأرض خلال ما يعرف بـ»الخط الأصفر»، لتبقى غزة عالقة بين اتفاق معلن على الورق وتصعيد مستمر على الأرض.
ومع كل خرق جديد، تتسع دائرة الخسائر البشرية وتتعمق الأزمة الإنسانية في قطاع أنهكته الحرب والحصار. آلاف الخروق العسكرية سُجلت منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ، فيما واصل القصف حصد أرواح المدنيّين في ظل منظومة صحية تواجه ضغوطاً هائلة ونقصاً حاداً في الإمكانات.
ففي مختلف أنحاء القطاع، تتكرّر عمليات الاستهداف والقصف في وقت يعيش فيه السكان بين ركام منازلهم ومراكز الإيواء والمناطق السكنية التي لم تعد توفّر الأمان. ولم تقتصر الانتهاكات على العمليات العسكرية المباشرة وإنما رافقها استمرار الحصار والقيود التي تعرقل وصول الاحتياجات الأساسية، في وقت تعاني فيه المستشفيات والمراكز الصحية من آثار الحرب الطويلة ونقص الإمكانات. وهكذا، لم يؤد وقف إطلاق النار إلى إنهاء مظاهر الحرب، بل انتقل الصراع إلى شكل آخر من الاستهدافات المتقطعة والمستمرة، بحيث أصبح السكان أمام واقع أمني وإنساني شديد الهشاشة.
مزيــد مـن الشّهـــداء
وقد استشهد، أمس، فلسطيني وأصيب 13 آخرون، بينهم أطفال، بهجمات صهيونية على مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، فيما ارتقى شخص متأثرًا بجراح أُصيب بها بقصف سابق. كما قالت مصادر طبية في قطاع غزة إنّ 9 فلسطينيين، بينهم 4 من عائلة واحدة، استشهدوا في غارات للاحتلال على القطاع منذ فجر الخميس.
وأفادت مصادر في مستشفى الشفاء بأنه استقبل جثامين 4 شهداء من عائلة أحمد بعد انتشالهم أشلاء إثر قصف صهيوني استهدف منزلا في مشروع بيت لاهيا شمالي القطاع، مشيرة إلى أنّ من بين الضحايا طفلتين تبلغان 8 و12 عاما.
من ناحية أخرى، أفاد مجمع ناصر بوصول شهيد ومصابين إثر قصف صهيوني لمركبة شمالي مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة.
وأسفرت الخروقات الصهيونية لاتفاق وقف إطلاق النار عن استشهاد 1359 فلسطينيًا وإصابة 4 آلاف و571 آخرين حتى الخميس، وفق أحدث بيانات وزارة الصحة في القطاع.
هــدنـة منتهكــة
يقول مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، إنهم يمتلكون إحصائيات دقيقة وموثقة ترصد حجم الانتهاكات منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي. وبحسب هذه البيانات، تم تسجيل 4708 خروق عسكرية جسيمة، شملت طلعات جوية هجومية وقصفاً مدفعياً واستخداماً مفرطاً للقوة المميتة في مختلف محافظات قطاع غزة.
ويشير الثوابتة، إلى أنّ هذه الانتهاكات تأتي ضمن نمط مستمر من العمليات العسكرية، الأمر الذي يعكس عدم الالتزام الفعلي بوقف إطلاق النار. وتكتسب هذه الأرقام دلالتها من تكرارها على امتداد الفترة التي أعقبت الاتفاق، إذ تعني عملياً أن الهدوء المعلن سياسياً لم يتحول إلى واقع مستقر على الأرض، وأن الفلسطينيين ظلوا معرّضين لأشكال متعدّدة من العنف العسكري.
ويرى الثوابتة أنّ استمرار سقوط الضحايا بهذا الحجم، بالتوازي مع تدهور الأوضاع الصحية والإنسانية والحصار، يجعل آثار الانتهاكات تتجاوز لحظة القصف نفسها، لتطاول حياة الجرحى والمرضى والأسر التي فقدت أبناءها أو ما زالت تبحث عن مقومات الحياة الأساسية.
ولا ينظر المحلل السياسي الفلسطيني ذو الفقار سويرجو، إلى استمرار العمليات الصهيونية في غزة باعتباره منفصلاً عن الحسابات السياسية داخل الكيان. ويؤكّد أن استمرار العمليات العسكرية يمكن أن يخدم خطاب اليمين الصهيوني الذي يقدم نفسه أمام الجمهور باعتباره القادر على حماية الكيان من الأخطار المحيطة بها.
ويرى أنّ الخروج من هذا المأزق لا يبدو قريباً في ظل غياب ضغط أميركي حقيقي على الحكومة الصهيونية لفصل ملف غزة عن الحسابات الانتخابية. ويعرب عن اعتقاده أنّ الوسطاء أيضاً لم يتمكّنوا حتى الآن من فرض آلية قادرة على وقف الانتهاكات بصورة مستدامة، ما يجعل القطاع عرضة للبقاء في دائرة التصعيد إلى حين اتضاح ملامح المشهد السياسي الصهيوني.

