الإمـارات تسعـــى لصناعــة حــزام يناقـض مصالـح الجزائـر بالساحل الإفريقــي
الدولـة الجزائريــة اتخذت قرارهــا التاريخي بعيــدًا عــن الحسابـات الضيقـة
الدبلوماسيــة الجزائريـة تبنـى قراراتهـــا الإستراتيجيـــة ضمـن صميـم بلـــد الشهــداء
تحالـف إماراتــي مغربـي صهيــوني فرنســي فــي محاولـة فاشلـة لعـزل الجزائـــر
قطع العلاقات..خطوة أخيرة بُنيت بعد مسار تراكمي للإستفزازات
أكّد الباحث أول بمركز الخليج للأبحاث،ومقره بالمملكة العربية السعودية، الدكتور عبد الرزاق غراف، أنّ قرار قطع الجزائر لعلاقاتها مع الإمارات العربية المتحدة، بُني بعد مسار تراكمي لإستفزازات حكّام أبوظبي، وبتأنٍّ رصين في مواجهة تعاظم الخطيئة الإماراتية. وقال الدكتور غراف، في حوار مع “الشعب”، أنّ ما زاد من الطموح الإماراتي بالتحوّل للاعب إقليمي، هو تخيّله قدرته على مزاحمة دولة بحجم الجزائر ضمن نطاق أمنها وعمقها الإفريقي والمتوسطي.
“الشعب”: قرّرت الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، وذلك بعد استنفاد جميع الوسائل الكفيلة بالحفاظ على العلاقات الثنائية، كيف تابعتم هذا القرار من الخليج العربي؟
الباحث أول بمركز الخليج للأبحاث.. الدكتور عبد الرزاق غراف: لا يمكن بأيّ حالٍ من الأحوال الاستناد إلى سبب واحد وأوحد للقرار الجزائري السيادي بقطع العلاقات مع الإمارات، فالخطوة الأخيرة بُنيت بعد مسار تراكمي لإستفزازات حكّام أبوظبي، وبتأنٍّ رصين في مواجهة تعاظم الخطيئة الإماراتية، التي بدت وأنها غير مستوعبة لأدنى حدود الاتّعاظ، جهلاً أو تجاهلاً؛ وذلك لم يعد مهمًا بعد أن اتّخذت الدولة الجزائرية قرارها التاريخي بعيدًا عن الحسابات الضيقة.
فالدبلوماسيات العريقة مثل الجزائرية لا تُبنى قراراتها الاستراتيجية على ما هو ظرفي وعابر، وهذا ما يقع في صميم قرار بلد الشّهداء الأخير.وما يبعثنا للبحث عن جوهر الأزمة، وما الذي دفع لحصول ما حصل، خاصة وأنّ مسار الأحداث ليس وليد الأشهر القليلة الماضية، بل إلى سنوات من تراكم الأحداث والإستفزازات الإماراتية، على النحو الذي يجعلنا أمام جملة من المسبّبات الآنية والسابقة، التي قادت نحو قرار القطيعة.
أولاً: تحالف رباعي إماراتي-مغربي-صهيوني-فرنسي: هذا التحالف ظاهره دعم ما يسمى جزافًا بوحدة الأراضي المغربية، وباطنه تحييد الجزائر وضرب استقرارها وعمقها الاستراتيجي المتوسطي والإفريقي والساحلي.
ومبدئيًا، لا يمكن الاستناد للموقف الإماراتي من ملف الصّحراء الغربية ليكون مرجعية لتفسير قرار الدولة الجزائرية السيادي القاضي بقطع العلاقات مع أبوظبي .
ومنه، فإنّ الأخذ بهذا العامل يدفعنا للتساؤل عن أسباب عدم توتّر علاقات الجزائر بباقي مكونات مجلس التعاون، بل إنّ بعضًا من هذه المكوّنات قد بلغ مستوى التقارب وحدّ التوافق مع الجزائر، والكلام هنا عن الثلاثي القطري والعُماني والأهم السعودي، وإن كان القطري منه قد تجسّد فعليًا على الأرض بمشاريع للشراكة الاستراتيجية بين البلدين الشقيقين، والمنتظر من رهانات مع الثنائي السعودي العُماني يبقى هو الآخر ذا أفق أعلى بكثير ممّا هو موجود في الوقت الراهن.
فمساعي الرباعي الإماراتي المغربي الصهيوني الفرنسي، الذي يكاد يكون أقرب للحلف منه إلى التوافق المعتاد في التوازنات الدولية والإقليمية، يبقى الهدف منها عزل الجزائر عن عمقها الاستراتيجي الإقليمي، وإن كان لكل طرف من هذه الأطراف حساباته وأسبابه، غير أنّ الثابت هو تحميل الجزائر تكلفة عالية تجعلها في معزل عن أداء دورها الطبيعي التاريخي كقوة إقليمية، بما يفرضه واقعها الجيو سياسي والاقتصادي وثوابت الجغرافيا السياسية، وأولى مداخل هذا الجهد الرباعي العدائي هو إعادة هندسة معادلة توازن القوة الإقليمي وجعله أكثر تفاوتًا لصالح المخزن.
ثانيًا: الدور الإماراتي الدخيل في منطقة الساحل الإفريقي: وقد سعت الإمارات وما زالت تفعل، لصناعة حزام يناقض مصالح الجزائر في منطقة الساحل وربطه بليبيا شرقًا، مع محاولة مدّه غربًا عبر استقطاب موريتانيا أملاً في إيصاله للأراضي الصّحراوية، ومنه، تكوين هلال لتطويق الجزائر.
ورغم أنّ هذا السيناريو ضمنيًا يفوق قدرة الإمارات الذاتية، إلاّ أنّ الدور الوظيفي الذي قبلت بأدائه عبر تسخير مواردها المالية في سبيل تفكيك بنية النظام الإقليمي، موازاة مع وجود مظلة دولية تحميه، هو ما وفّر هذا الهامش لطرف لا يملك مقوّمات الدولة المنوّطة بمثل هكذا دور، باستثناء القدرة المالية.وما زاد من الطموح الإماراتي بالتحول للاعب إقليمي، هو تخيّله قدرته على مزاحمة دولة بحجم الجزائر العظيمة ضمن نطاق أمنها وعمقها الإفريقي والمتوسطي، وللعارفين بخبايا التوازنات الجيو سياسية، فإنّ ذلك الأمر يعد خارج منطق المألوف، وحتى وإن توفّرت معالمه فهي مؤقتة ومرهونة بوظيفية الدور الإماراتي في حدّ ذاته.
التمادي في استفزازات أبوظبي لا يحتاج لجهد كبير لفهمها؛ لأنّ البصمة الإماراتية الفرنسية واضحة وضوح الشمس، على سبيل المثال لا الحصر، في محاولة الانقلاب الفاشلة في النيجر، قبل أيام، في ظل تطور وتقدّم العلاقات بين الجزائر ونيامي.
فالمؤامرات باتت تُحاك جهارًا وعلى مرأى الجميع، بهدف تسريع مسار الفوضى في منطقة الساحل، بما يرفع من تكلفة حماية الجزائر لأمنها القومي على حساب جبهات أخرى بما فيها الداخلية، وجعلها في مواجهة موجات عابرة من التهديدات الحدودية الناجمة عن تراجع منطق الدولة بسبب هشاشة البيئة الأمنية الإقليمية.
مع محاولة ضرب التكامل الاقتصادي الإقليمي الذي تقوده الجزائر، وما فرضه هذا الواقع من تقارب نيجري جزائري، حيث تجسّد ذلك ضمنيًا في مشروع الغاز العابر للصحراء المشترك، إنطلاقا من نيجيريا عبر النيجر والجزائر نحو أوروبا، ممّا قد يعود به من مكاسب تنموية على دولة هشّة مثل النيجر، وإمكانية محاكاة ذلك لدى باقي دول الساحل التي ستمسّها حتما مزايا هذا المشروع التنموي الضّخم.
لماذا تحاول الإمارات إفشال جهود التكامل الاقتصادي والطاقوي في الساحل وشمال إفريقيا؟
لم تدّخر الإمارات جهدًا في عرقلة جهود التكامل الإقتصادي في أفريقيا والساحل، ومن ذلك محاولة وأد مشروع أنبوب الغاز العابر للصّحراء، وتعزيز فرص البديل غير الواقعي المار عبر أكثر من عشرة دول إفريقية نحو المغرب عبر الأطلسي، وفي الوقت الذي فرضت الحسابات الجيوسياسية والاقتصادية والمالية منطقها، وتغلّب خيار المشروع الجزائري الواقعي على نظيره المغربي الافتراضي، لم يكن من خيار آخر أمام رعاة اللا استقرار إلا محاولة فرض واقع مغاير تسوده الفوضى الإقليمية عبر دعم الانقلابات والجماعات الإرهابية المسلّحة، وما حدث في النيجر مؤخّرًا جزء من ذلك.
هذا السلوك الخطير المزعزع للإستقرار الأمني والإقتصادي، أجبر الجزائر على التحرّك بحزم وعلى نحو غير مسبوق دفع البعض للحديث عن دخول العقيدة العسكرية الجزائرية عصرًا جديدًا، بعد وصول قطع من سلاح الجو الجزائري من مروحيات ومقاتلات إلى نيامي، في خطوة حاول بعض المغرضين تصنيفها ضمن خانة التدخّل، إلا أنّ حرص الجهات الرسمية في الجزائر ونظيرتها في النيجر على تصنيفها في خانة الدعم المشروع وفق القانون الدولي، قطع الشكّ باليقين حول محاولة التسويق لفرضيات منافية لهذا الطرح، والمحصلة نجاح الجزائر في ضرب المسعى الإماراتي الخبيث ووأده قبل ولادته.
ماذا عن الملف الليبي الذي بقي يرزح تحت وطأة التدخّلات الخارجية والأزمات الداخلية؟
نعم، هناك ملفات وطنية وإقليمية أخرى لطالما شكّلت مواطن تنافر جزائري إماراتي على غرار الملف الليبي، رغم أولويته في حسابات الطرف الجزائري بحكم الجوار الإقليمي والارتباط الإفريقي، حيث ساهمت مناورات أبوظبي في تأزيم العلاقات الثنائية ودفعها لحافة الانفجار، وبخاصة مع كل خرجة من خرجات معسكر خليفة حفتر ضدّ الجزائر. وإن كانت في مجملها “شطحات استعراضية” لم ترق ولا يمكن أن ترقى أبدًا لمستوى الفعل، نظرًا لميزان القوة الذي يصبّ في صالح بلد الشهداء.
وتعتبر ليبيا جزءاً من تراكمات الأزمة بين الطرفين في السنوات الأخيرة، في ظلّ ارتباط الدور الإماراتي المشبوه بباقي أدواره ضمن النطاق الإقليمي، ومسعاه الدائم لصناعة خارطة نفوذ إقليمي أساسه شبكة الفواعل الموازية غير الدولية، وتقويض الاستقرار والأمن عبر دعم الجماعات والمليشيات الإرهابية العابرة للحدود.
كما أنّ هناك ملفات خطيرة أخرى تورّطت فيها الإمارات العربية المتحدة، مثل دعم منظمة “ماك” الإجرامية، التي تصنّفها الدولة الجزائرية كمنظمة إرهابية وغيرها من التجاوزات المسجّلة لزعزعة استقرار الجزائر.
هل توجد ملفات عسكرية واقتصادية أخرى مهّدت للقرار الجزائري؟
رغم أهمية ما يدور بمنطقة الساحل في قراءة القرار الجزائري، إلاّ أنّ هناك ملفات أخرى ذات علاقة فرضت نفسها كمحدّد لا غنى عنه في فهم ما حدث.
فالمدقّق في السلوك الإماراتي العدائي تجاه مصالح الجزائر في السنتين الأخيرتين، سيرى تصاعد حدة التصرّفات الاستفزازية تحت دافعية أحداث بعينها، وهنا وجب تسليط الضوء على حدثين مهمّين: الأول متعلّق بإجهاض الجزائر لصفقة استحواذ الإمارات على أسهم عملاق الطاقة الإسباني “ناتورجي” التي تصنف ضمن أهم زبائن الغاز الجزائري، وشريك رئيسي للجزائر في خط “ميد غاز” العابر للمتوسط، وهو ما أشعل روح الانتقام لدى حكّام أبوظبي من النجاح الجزائري في هذا الشأن.
أمّا الثاني، فيرتبط بفشل الإمارات في ظلّ إدراكها الخاطئ بموقعها وحجمها لدى الدول الكبرى في فرض عزلة على الجزائر، عزلة كانت تتمنى أن تكون منعرجًا حاسمًا لتقديم المغرب كبديل جيو سياسي وجيو اقتصادي لا غنى عنه أمام القوى الفاعلة وبخاصة الغربية منها.
ومع ما برهنته الأحداث من نتائج يقينية لدى كل القوى الكبرى باستحالة تجاوز الجزائر بالنظر لما تفرضه الجغرافيا السياسية والمعطيات الاقتصادية والعسكرية من محدّدات، بقي بلد الشهداء أحد أهم الدول الإقليمية المحورية بغض النظر عن المحاولات الإماراتية المخزنية الخسيسة.وهذا المُعطى، أعطى دافعية متصاعدة للسلوك الإماراتي غير الودّي، ورسّخ أكثر اليقين الاستراتيجي الخالد عن قوة وعظمة الجزائر منذ قرون خلت.
كل هذا العداء من الإمارات، يأتي رغم أنّ الجزائر كانت من أوائل المساهمين بكوادرها البشرية في تأسيس مشروع شركة بترول أبو ظبي الوطنية، في زمن كانت فيه المؤسّسات الأجنبية متعدّدة الجنسيات تهيمن على ثروات الإمارة. وهذه الأخيرة استلهمت من تجربة الجزائر وعملاقها النفطي “سوناطراك” خبرة التأميم ومزاحمة عمالقة الصناعة النفطية في العالم، فكانت المحاكاة ناجحة وبدأ عصر النفط الإماراتي بخبرة وكفاءة وتخطيط السواعد الجزائرية، وهو فضل لم تطلب الجزائر عنه مقابلاً ما عدا علاقات في إطار الاحترام المتبادل. وقبل قيام الاتحاد الإماراتي في سنة 1969، وبطلب من حاكم أبو ظبي زايد آل نهيان الساعي لتأسيس بنية تحتية نفطية خاصة بالإمارة الصغيرة، استجاب الرئيس والزعيم الراحل هواري بومدين للنداء، وليس ذلك بغريب على قبلة الثوار جزائر الأحرار.
وبعد تأسيس الاتحاد الإماراتي في ديسمبر سنة 1971، لم تبخل الجزائر انطلاقًا من موقعها الريادي في الدفاع عن كل ما هو مرتبط بالأمني القومي العربي، وعملاً بما يمليه عليها موضعها الجيوستراتيجي وإرثها التاريخي، بأي جهد في مرافقة الكيان الوليد بكل أشكال الدعم السياسي والاقتصادي، في مرحلة عادة ما تحمل الأطراف الدولية على التأني في سبيل استبيان الأحداث.
غير أنّ الجزائر سارعت منذ الوهلة الأولى التي رأى فيها هذا الكيان نور الحياة لتنفيذ المطلوب منها وتلبية النداء، تحت دافعية انتمائها العربي وروحها الثورية والقومية، وتسارع الدعم الجزائري الذي لم يكد يغب عن أي قطاع من قطاعات البنية التحتية للكيان الناشئ، آنذاك.



