ثمّن البروفيسور عبد القادر دحدوح، المختص في الآثار، قرار رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون المتعلق بإنشاء الوكالة الوطنية للآثار، معتبرا أن هذه الهيئة الجديدة من شأنها أن تعطي دفعا قويا للبحث والتنقيب الأثري في الجزائر، وتفتح آفاقا واسعة أمام اكتشاف المواقع والكنوز الأثرية التي تزخر بها البلاد، فضلا عن تثمينها والتعريف بالامتداد الحضاري للجزائر.
أوضح في حديث لـ «الشعب» أن مخرجات مجلس الوزراء المنعقد شهر جوان الماضي، وآخر اجتماع للمجلس المنعقد الأسبوع الماضي، إلى جانب تصريحات رئيس الجمهورية للصحافة الوطنية، تحمل دلالات واضحة بشأن أهمية الوكالة الوطنية للآثار بالنسبة للتراث المادي، لاسيما ما تعلق منها بتطوير الحفريات والتنقيبات التي يتوقع أن تحدث «ثورة علمية» في هذا المجال.
أكد البروفيسور دحدوح أن أهمية الوكالة الوطنية للآثار تكمن، بالدرجة الأولى، في قدرتها على وضع استراتيجية واضحة للبحث والتنقيب الأثري، وهو الجانب الذي يشهد تأخرا كبيرا، إلى جانب نقص في التشريع الذي يتيح توفير أغلفة مالية مخصصة للحفريات.
وأشار إلى أن الحفريات الأثرية تنجز حاليا في معظمها من طرف الجامعات، خاصة معهد الآثار التابع لجامعة الجزائر، حيث تعتمد هذه العمليات على مبادرات الأساتذة ودعم محدود من الجامعة، فضلا عن التسهيلات التي تقدمها الهيئات الثقافية والسلطات المحلية في الولايات المعنية.
وأضاف أنّ المركز الوطني للبحث في علم الآثار يتولى، بدرجة أكبر، الحفريات الاستعجالية أو الإنقاذية، في حين تبقى الحفريات المنتظمة بحاجة إلى دعم أكبر وبرمجة واضحة. واعتبر أن هذا الوضع يعكس غياب استراتيجية شاملة للتنقيب الأثري، وهو ما يجعل استحداث الوكالة الوطنية للآثار خطوة مهمة لبعث هذا النشاط وتطويره.
وفي هذا السياق، لفت المتحدث إلى أن الجزائر تضم أزيد من 15 ألف موقع أثري، تنتظر نسبة كبيرة منها عمليات التنقيب والدراسة، دون الحديث عن المواقع المدفونة وغير المكتشفة التي يرجح أن يكون عددها بالآلاف، ما يبرز حجم العمل الذي ينتظر الوكالة الجديدة.
بعث الحفريات وإثراء المعرفة التاريخية
أوضح البروفيسور دحدوح أن الحفريات والتنقيب الأثري سيكونان من أبرز المهام الرئيسية للوكالة الوطنية للآثار، بالنظر إلى ما تضمنته مخرجات مجلس الوزراء من توجه نحو إحداث ثورة علمية في هذا المجال.
وقال إن النقص الكبير المسجل في عمليات الحفر والتنقيب يجعل من الوكالة دعما أساسيا للبحث الأثري، من خلال إطلاق مشاريع عديدة عبر التراب الوطني، خاصة في المدن التاريخية الكبرى التي تزخر بمواقع أثرية مهمة.
وذكر في هذا الإطار عددا من المواقع التي شهدت عمليات حفر وتنقيب خلال الحقبة الاستعمارية، ولا تزال أجزاء واسعة منها بحاجة إلى الكشف والدراسة، على غرار تيمقاد، وهيبون، ومداوروش، وتيديس، وقلعة بني حماد، وأشير، وتيهرت، وتاقدمت، وبلزمة، وطبنة، وغيرها من المدن والمواقع الأثرية.
وأضاف أن إعادة بعث الحفريات في هذه المواقع، إلى جانب استكشاف آلاف المواقع الأخرى، من شأنها أن تفتح المجال أمام اكتشاف معطيات أثرية جديدة تثري تاريخ الجزائر، وتصحح بعض المعطيات التاريخية، كما قد تدحض روايات أو تؤكد أخرى وردت في المصادر والوثائق الأرشيفية.
وشدد على أن أهمية هذه العمليات لا تقتصر على الكشف عن اللقى والمعالم الأثرية، وإنما تمتد إلى بناء معرفة علمية أكثر دقة حول المراحل الحضارية التي عرفتها الجزائر، وتطوير الدراسات المرتبطة بتاريخها وتراثها المادي.
تثمين المواقع الأثرية ودعم التنمية المحلية
ويرى البروفيسور دحدوح أن تثمين التراث الأثري سيكون من أبرز أهداف الوكالة الوطنية للآثار، باعتبارها مؤسسة عمومية ذات طابع صناعي وتجاري، ما يجعل التثمين الاقتصادي واستغلال المواقع والمعالم الأثرية في التنمية الاقتصادية من بين الأولويات التي يمكن أن تعمل عليها.
وأشار إلى أن استقلالية الوكالة وإلحاقها برئاسة الجمهورية، حسب ما تم الإعلان عنه، من شأنهما أن يوفّرا إطارا مؤسساتيا لدفع مسألة استغلال المواقع الأثرية، نحو التجسيد الفعلي، من خلال استراتيجية واعدة في هذا المجال.
وأوضح عب القادر دحدوح أن فتح مدينة أثرية للزوار، بعد استكمال عمليات البحث والتنقيب وتوفير المرافق الخدماتية الضرورية، يمكن أن يساهم في جلب السياح وخلق حركية اقتصادية في المنطقة، بما يدعم التنمية المحلية المستدامة ويوفر فرصا جديدة للنشاط المرتبط بالسياحة الثقافية.
وأكّد أن التثمين لا يتوقف عند الجانب الاقتصادي، وإنما يتعداه إلى البعد الثقافي والحضاري، باعتبار أن اكتشاف الكنوز الأثرية، خاصة تلك التي تحمل قيمة تاريخية كبيرة وتكشف عن معطيات جديدة، يعزز المعرفة التاريخية لدى المواطن الجزائري، وينمي لديه حب الوطن والاعتزاز بتاريخه وحضارته وإنجازات من سبقوه.
وختم البروفيسور دحدوح بالتأكيد أن الوكالة الوطنية للآثار تمثل فرصة لإعادة تنظيم جهود البحث والتنقيب، وربطها بالتثمين والتعريف بالتراث، بما يسمح بإبراز العمق الحضاري للجزائر، وإتاحته للأجيال الحالية والمقبلة.







