تحويـــل الدّعــم الشّعبـــي والإقليمـي والدولي إلـــى مواقـــف سياســية
شكّل إعلان تأسيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في 19 سبتمبر 1958 محطة حاسمة في مسار ثورة التحرير، إذ جسّد انتقال الثورة إلى مستوى جديد من التنظيم السياسي والدبلوماسي، ورسّخ تمثيلها الرسمي للشعب الجزائري في الداخل والخارج.
جاء تأسيس الحكومة المؤقتة تنفيذا لقرارات المجلس الوطني للثورة الجزائرية، خلال اجتماعه المنعقد بالقاهرة من 22 إلى 28 أوت 1958، والذي كلف لجنة التنسيق والتنفيذ بالإعلان عن تشكيل حكومة مؤقتة للجمهورية الجزائرية، استكمالا لمؤسسات الثورة وتمهيدا لإعادة بناء الدولة الجزائرية الحديثة.ويشير الدكتور عمر سعد الله، بكلية الحقوق والعلوم الإدارية بجامعة الجزائر، في دراسة بعنوان “الحكومة المؤقتة والقانون الدولي الإنساني”، إلى أن الحكومة الجزائرية المؤقتة لم تتأسس على منوال الحكومات التقليدية، إذ اتسمت بطبيعة مزدوجة، باعتبارها حكومة تخوض حربا من جهة وحكومة منفى من جهة أخرى، وامتلكت تكوينا سياسيا وعسكريا وإداريا.وأسهم وجود الحكومة المؤقتة في تعزيز حضور القضية الجزائرية على الساحة الدولية، حيث اضطلعت بدور في التأثير على الرأي العام الدولي، وطرح قضية الاستعمار الفرنسي وما رافق الحرب من انتهاكات أمام المحافل الدولية. كما اعتمدت الإعلام وسيلة للتعريف بالثورة، وفضح ممارسات الاستعمار.وفي هذا السياق، انضمت الحكومة المؤقتة سنة 1960 إلى اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، المتعلقة بتقنين قواعد القانون الدولي الإنساني وإضفاء طابع إنساني على التعامل مع النزاعات المسلحة.وأدّى أعضاء الحكومة المؤقتة دورا بارزا في التعريف بالقضية الجزائرية على الصعيد الدولي، وتمكن النشاط الدبلوماسي من توسيع دائرة الاعتراف بالحكومة، وكسب دعم عدد من الدول الشقيقة والصديقة.
أداة سياسية وعسكرية ودبلوماسية
ويؤكد الدكتور عمر بوضربة، في كتابه “النشاط الدبلوماسي للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية سبتمبر 1958 – جانفي 1960”، أن إنشاء الحكومة المؤقتة ارتبط بمجموعة من الأهداف، من بينها معالجة إشكالية القيادة، وإيجاد حلول لمشكل التسليح، وتعزيز القدرات العسكرية لجيش التحرير الوطني، وإعادة بعث الدولة الجزائرية.
كما استهدفت الحكومة توفير أداة شرعية ورسمية للتفاوض مع فرنسا، والرد على ادعاءات ديغول بشأن غياب حكومة تمثل الشعب الجزائري، فضلا عن استثمار الظرف الدولي للحصول على الدعم المادي والدبلوماسي، وتعزيز العلاقات مع الدول الاشتراكية والدول العربية، مع الحفاظ على استقلالية القرار السياسي الجزائري.وحسب الباحث، جاءت فكرة تأسيس الحكومة المؤقتة بعد اختطاف طائرة الزعماء الجزائريين في 22 أكتوبر 1956، قبل أن تتبلور لاحقا في إطار قرارات مؤسسات الثورة.وفور تأسيس الحكومة المؤقتة، تلقّت اعتراف عدد من الدول، كما حظيت الحكومة المؤقتة باعتراف عدد من الدول الاشتراكية، من بينها الصين الشعبية في 22 سبتمبر 1958، وكوريا الشمالية في 25 سبتمبر، وفيتنام الشمالية في اليوم الموالي. وأعلنت إندونيسيا اعترافها الرسمي في 27 سبتمبر 1958، إلى جانب مواقف داعمة من عدد من الدول الإفريقية، من بينها أنغولا وغانا وغينيا، فيما اتخذت دول أخرى مواقف أكثر حذرا وترقبا.
دبلوماسيـــــة ثورية تستند إلـى إرث الحركـة الوطنية
وعن ركائز النشاط الدبلوماسي للحكومة المؤقتة، يؤكد الأستاذ عمر بوضربة أنها ورثت أسس نشاطها الخارجي عن جبهة التحرير الوطني، التي استمدت بدورها كثيرا من عناصر عملها الدبلوماسي من الحركة الوطنية الاستقلالية، بدءا من نجم شمال إفريقيا، مرورا بحزب الشعب الجزائري، وصولا إلى حركة الانتصار للحريات الديمقراطية، قبل تكييف هذه التجربة مع المعطيات الدولية الجديدة وتطوير أدواتها.
وقامت الدبلوماسية الجزائرية خلال الثورة على مجموعة من المبادئ، من بينها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية واحترام سيادتها الترابية، وتبني مبدأ الحياد تجاه الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي، وكذلك تجاه الصراعات العربية، مع الحذر من سياسة التحالفات التي كانت تشهدها المنطقة في ظل انتشار المد القومي العربي.
كما ركّز النشاط الدبلوماسي على تعزيز الحضور الجزائري في أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، بهدف كسب تأييد المنظمات والشخصيات المؤثرة والتأثير في الرأي العام، بما يساعد على دفع الحكومات الغربية إلى اتخاذ مواقف أقل عدائية تجاه الثورة والضغط لعزل فرنسا عن حلفائها.
زيارات ومكاتـــــب لتعزيــــــز الحضـــور الخارجـي
وراهنت الحكومة المؤقتة على الزيارات الرسمية إلى عدد من الدول الشقيقة والصديقة، طلبا لمزيد من الدعم المادي والدبلوماسي، وشملت هذه التحركات المملكة الليبية، والمملكة العربية السعودية، والجمهورية العراقية، والصين الشعبية، وفيتنام الشمالية، والهند وباكستان ويوغسلافيا، التي تعد من أوائل الدول الأوروبية التي ساندت الكفاح التحرري الجزائري.كما أنشأت الحكومة المؤقتة مكاتب في عدد من الدول العربية والأوروبية لتعزيز نشاطها الدبلوماسي والقنصلي. واضطلعت هذه المكاتب بمهام متعددة، من بينها إعداد جوازات السفر ورخص المرور والتأشيرات ورخص الإقامة وغيرها من وثائق السفر، فضلا عن تسوية وضعيات الجزائريين الموجودين في البلدان المضيفة.وحظي مكتب القاهرة بأهمية خاصة، إذ عمل على إقامة اتصالات مستمرة مع ممثلي ألمانيا الديمقراطية وفيتنام ويوغسلافيا، كما عقد لقاءات مع السكرتير الدائم للتضامن الأفروآسيوي وممثلي عدد من الحركات الوطنية الإفريقية الموجودة في القاهرة، بهدف الحصول على الدعم المادي والمعنوي للثورة.
مـن الثّـورة المسلّحـة إلى التّمثـــــيل الدبلوماســي
أرسى تأسيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية بعدا جديدا في مسار الثورة، إذ جمع بين العمل السياسي والعسكري والدبلوماسي، وحوّل القضية الجزائرية إلى ملف حاضر بقوة في العلاقات الدولية. وأتاح هذا الإطار للثورة التعبير عن مطالبها باسم الشعب الجزائري، وتوسيع دائرة الاعتراف بها، وفتح قنوات للتفاوض، وتعزيز حضورها في المحافل الدولية.كما كرست الحكومة المؤقتة خطابا يستند إلى احترام القانون الدولي الإنساني، مؤكدة القواعد والأعراف المطبقة في النزاعات المسلحة، في وقت كانت فيه الدبلوماسية الجزائرية تعمل على تحويل الدعم الشعبي والإقليمي والدولي إلى مواقف سياسية تعزز مسار التحرر الوطني.وبذلك شكّل تأسيس الحكومة المؤقتة محطة في تطور مؤسسات الثورة، وانتقال القضية الجزائرية من فضاء الكفاح المسلح داخل البلاد إلى فضاء أوسع يجمع بين العمل السياسي والدبلوماسي والقانوني، وصولا إلى استرجاع السيادة الوطنية سنة 1962.






