المشـــروع العمـلاق يستفيــد مــن الخـــبرة والمنشــآت الجزائريــــة
دفعت زيارة وزير الدولة، وزير المحروقات، السيد محمد عرقاب، إلى النيجر، ملفات التعاون الطاقوي نحو خطوات تنفيذية جديدة، تتقدمها التحضيرات الميدانية لأنبوب الغاز العابر للصحراء وتطوير الرقع النفطية، في مسار تتسع فيه الشراكة بين البلدين لتشمل الإنتاج والتكرير والتسويق، وترتبط بصورة أوضح باحتياجات الاقتصاد النيجري إلى الطاقة والاستثمار والخبرة.
وخلال محادثاته، الاثنين بنيامي، مع وزير البترول النيجري حمادو تيني، أكد عرقاب استعداد الجزائر لمرافقة النيجر في تطوير قطاع المحروقات، تنفيذًا لتوجيهات رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، فيما ركز الجانبان على متابعة المشاريع القائمة وتوسيع التعاون بين سوناطراك والشركة الوطنية النيجرية للبترول «سونيدب»، بما يسمح بتحويل الموارد المتاحة إلى نشاط اقتصادي منتج.
ويتصدر أنبوب الغاز العابر للصحراء هذا المسار، حيث بحث الطرفان التحضير للمسح الطوبوغرافي لمساره داخل الأراضي النيجرية، والدراسات البيئية والجيوتقنية، مع التأكيد على إطلاق هذه العمليات في أقرب الآجال، وهي أعمال ضرورية لضبط مسار الأنبوب وشروط إنجازه، وتعكس انتقال المتابعة إلى تفاصيل التنفيذ التي يتوقف عليها تقدم المشروع.
وتأتي هذه التحضيرات امتدادًا لاعتماد الدول الثلاث، في جوان الماضي، التقرير النهائي لدراسة الجدوى المحينة، ما يوفر مرجعًا تقنيًا واقتصاديًا للمراحل المقبلة، ويجعل انتظام التنسيق بين الشركات الوطنية عاملًا أساسيًا لتقليص الفاصل بين الاتفاقات والأشغال، خصوصًا أن نجاح الربط يتطلب تقدم المقاطع المختلفة ضمن برنامج متناسق يراعي التمويل والإنجاز ومتطلبات التشغيل.
ويستهدف الأنبوب ربط نيجيريا بالجزائر مرورًا بالنيجر، بطاقة نقل تصل إلى 30 مليار متر مكعب سنويًا، مستفيدًا من المنشآت الجزائرية لمعالجة الغاز ونقله وتصديره نحو أوروبا وأسواق أخرى، ما يجعله أحد أكبر مشاريع البنية التحتية الطاقوية الإفريقية، ويمنح الدول الثلاث مصالح مشتركة في استكماله وضمان استمرارية تشغيله.
وبالنسبة للنيجر، يفتح المشروع آفاقًا لمداخيل العبور وجذب الاستثمارات والخدمات المرتبطة بالإنجاز والصيانة، إلى جانب إمكانية توفير الغاز للسوق المحلية وفق الترتيبات التي تعتمدها الأطراف، وهي مكاسب يمكن أن توسع موارد الاقتصاد وتدعم الصناعة وإنتاج الكهرباء، على أن ترتبط قيمتها الفعلية بحجم التدفقات وشروط الاستغلال بعد دخول الأنبوب الخدمة.
وتكتسب هذه الفرص أهمية مع توسع التعاون الكهربائي، فقد دشنت الجزائر والنيجر، في الثالث من جوان الماضي، محطة «غورو باندا» بنيامي، التي أنجزتها سونلغاز بقدرة 40 ميغاواط، خلال ثلاثة أشهر، وأوضح الناطق باسم المجمع أنها توفر الكهرباء لأكثر من مليون مواطن، بما يعكس أثرًا مباشرًا للشراكة على احتياجات السكان.
ومن شأن إتاحة الغاز مستقبلًا أن تدعم توسيع التوليد الكهربائي، متى توفرت شبكات الربط والمنشآت اللازمة، وتساعد على تحسين انتظام التموين للمؤسسات والمرافق، وهنا يبرز بشكل كبير التكامل بين مشاريع نقل الطاقة وإنتاجها والتنمية المحلية، إذ تحتاج الاستثمارات الصناعية والفلاحية والخدماتية إلى كهرباء مستقرة حتى تتحول فرص التمويل إلى إنتاج ومناصب عمل.
التنمية لتثبيت الاستقرار
وفي سياق متصل، تمثل رقعة «كفرا» شمال النيجر محورًا عمليًا للاستفادة من الخبرة الجزائرية في البحث والاستكشاف، وقد أعلنت سوناطراك، في أوت الماضي، إطلاق مشروع حفر أربع آبار استكشافية، بعد أشغال سابقة أكدت الإمكانات النفطية للمنطقة، وتمديد فترة تقييم الرخصة بما يسمح باستكمال تحديد امتداد المكمن والتحضير لتطويره.
كما تفتح رقعة «بيلما» مجالًا إضافيًا لهذه الشراكة، إذ تشير دراسة الجدوى، وفق بيان لوزارة المحروقات، إلى إنتاج متوقع يتجاوز 20 ألف برميل يوميًا على مدى عشرين سنة، وتعتزم سوناطراك مراجعة الدراسة ومرافقة «سونيدب» في إعداد وتنفيذ مخطط التطوير، وهي تقديرات تمنح التعاون أساسًا اقتصاديًا واعدًا، مع بقائها مرتبطة باستكمال التقييم وتجسيد المشروع.
وبالإضافة إلى الاستكشاف، تناولت محادثات نيامي الصيانة الكبرى لمصفاة «زندر» والتعاون في التكرير والبتروكيمياء، فضلًا عن التسويق المشترك للخام النيجري، بما يتيح توظيف خبرة سوناطراك في التفاوض والوصول إلى الأسواق، وتعزيز قدرة الشريك النيجري على تثمين إنتاجه، بالتوازي مع تكوين الكفاءات المحلية ونقل المعارف الضرورية لتسيير المنشآت وصيانتها.
وتسمح قراءة هذه المشاريع والمسارات مجتمعة بفهم الجانب التطبيقي للمقاربة الجزائرية تجاه أمن الساحل، لأن الكهرباء وتطوير الإنتاج وتكوين العمال يوسع فرص النشاط المشروع ويحسن الخدمات، ويمنح الدولة موارد إضافية لتمويل احتياجاتها، وهي عوامل تساعد على معالجة الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية التي تزيد صعوبة تحقيق الاستقرار، وتكمل الجهود الأمنية الضرورية لحماية السكان والمنشآت.
وعليه، فإن زيارة عرقاب تبرز أهميتها في متابعة هذا الترابط بين المشاريع الطاقية المختلفة، وتسريع ما يحتاج إلى دراسات وتنسيق وقرارات تنفيذية، خاصة وأن الاقتصاد النيجري يستطيع الاستفادة تدريجيًا من تطوير النفط وتحسين الكهرباء، ثم من عائدات وخدمات الأنبوب عند تشغيله، فيما تعزز الجزائر حضور مؤسساتها وشراكتها الاقتصادية مع جوارها، على أساس مصالح متبادلة تمنح التعاون استمرارية أوسع.


