تحويل الشغف والأهلية الأكاديمية إلى تنمية محلية ملموسة
غالبية الأحزاب السياسية فشلت في التعامل مع ملف التكوين
مرافقة المنتخبين الجدد وتكوينهم إداريا لتوظيف كفاءتهم الأكاديمية
يكتسي اختيار المترشحين أهمية كبيرة في إعداد القوائم الخاصة بالانتخابات المحلية المقررة في 28 نوفمبر المقبل، لاسيما في ظل التوجه نحو تقديم وجوه جديدة ونظيفة، ومنح النخب الشابة مساحة أكبر للمشاركة في تسيير المجالس البلدية والولائية وصناعة القرار المحلي.
أوضح المحلل السياسي زبير سلطاني، في تصريحه لـ “الشعب”، أن اختيار هذه الوجوه، لا ينبغي أن يقوم على الشهادات الجامعية والتخصصات العلمية فقط، لأن الكفاءة التقنية لا تكفي وحدها لممارسة مهام التسيير المحلي، فالمترشح، إلى جانب تكوينه العلمي، يحتاج مثلما قال “إلى تكوين سياسي وقانوني وإداري يمكنه من فهم طبيعة المسؤوليات التي تنتظره داخل المجالس المنتخبة”.
وأبرز أن التحدي الذي ستواجهه القوائم الحرة والحزبية يتمثل في تحقيق التوافق بين الكفاءة التقنية والتكوين السياسي.
ويرى المحلل السياسي أن الدفع بالنخب والشباب إلى غمار الهيئات التنفيذية أو التشريعية يطرح إشكالا يتمثل في الخلط بين الكفاءة التقنية، مثل الشهادات الجامعية والتخصصات العلمية، وبين الكفاءة السياسية والقدرة على الإدارة القانونية والتسيير.
وأكد أن غالبية النخب الشابة الراغبة في التغيير تفتقد إلى التكوين القانوني والتسييري والإداري، وهو ما يجعل اختيار المترشحين للقوائم الانتخابية -حسبه- يتطلب الانتباه إلى جانب التكوين، وعدم الاكتفاء بتقديم وجوه جديدة أو كفاءات أكاديمية.
وقال “إن المعضلة الأساسية تكمن في أن هذه النخب، رغم رغبتها في التغيير، قد تجد نفسها أمام صعوبات كبيرة عند الوصول إلى رئاسة المجالس المنتخبة، بسبب نقص الخبرة الميدانية والممارسة الإدارية”.
وحمل سلطاني غالبية الأحزاب السياسية مسؤولية هذا العجز، معتبرا أنها فشلت في التعامل مع ملف التكوين.
وأضاف أن غياب التكوين يجعل الكفاءات الجديدة أمام “جدار البيروقراطية الصلب” بمجرد وصولها إلى رأس المجالس المنتخبة، مهما كان مستوى تكوينها العلمي أو رغبتها في خدمة الشأن المحلي.
ويرى المحلل السياسي أن الاستحقاقات القادمة في 28 نوفمبر قد تحمل قوائم انتخابية تضم وجوها جديدة ونظيفة إلى حد بعيد، معتبرا ذلك مؤشرا إيجابيا يحسب لتطهير العمل السياسي، غير أن هذه الوجوه ستصطدم -حسبه- بحقيقة ميدانية تتمثل في نقص الخبرة والممارسة الإدارية، ولذلك، فإن نجاح المجالس المحلية المقبلة لن يتوقف فقط على نزاهة أعضائها الجدد، وإنما كذلك على مدى قدرتهم على التعامل مع القوانين والإجراءات الإدارية وآليات التسيير المحلي، وعليه يجب مرافقة هؤلاء المنتخبين وتكوينهم إداريا وسياسيا، بما يسمح بتحويل شغفهم وكفاءتهم الأكاديمية إلى تنمية محلية ملموسة، تصلح للتسيير اليومي للمواطن.
وبالموازاة مع اختيار المترشحين والوجوه الجديدة، يطرح إعداد القوائم الانتخابية مسألة المواد الضابطة وكيفية تطبيقها، وفي هذا الإطار، أوضح سلطاني أن التغيير الذي بدأه رئيس الجمهورية في بداية عهدته يمر عبر ثلاث مراحل، هي مرحلة المخاض، ومرحلة التوازن، ثم مرحلة الاستقرار.
القوائم بين التجديد والشروط القانونية
واعتبر أن السلطة المستقلة للانتخابات تتوجه فعليا نحو هذه المرحلة، من خلال فتح الحوار مع الأحزاب لضبط بعض الأخطاء السابقة وعدم تكرارها في الاستحقاقات القادمة، موضحا أن إعداد القوائم يتطلب العمل بعقلية تجمع بين الرؤية السياسية أو التنظير السياسي والممارسة السياسية، خاصة عند دراسة ملفات المترشحين وتطبيق المواد الإقصائية.
وقال زبير إن بعض الأحزاب، تطالب بأن تكون المواد الضابطة طبقا لأحكام قضائية نهائية، مشيرا إلى أن هذا الأمر قد يفتح الباب أمام دخول بعض أصحاب المال الفاسد أو الأشخاص الفاسدين، حتى ولو لم تصدر في حقهم أحكام قضائية.
وفي المقابل، أكد أن السلطة مطالبة في ممارستها السياسية بالموازنة بين عدم ظلم بعض المترشحين من خلال تطبيق المواد المرتبطة بمبدأ أخلقة الحياة السياسية، وبين ضمان تسلل المرتبطين بالمال السياسي إلى المجالس المنتخبة.
وأشار إلى المادة 184 في القانون الحالي، والمادة 200 في القانون الخاص بالانتخابات التشريعية، إلى جانب مواد أخرى، مؤكدا أن السلطة مطالبة بالمزاوجة بين المنظور السياسي والممارسة السياسية، وهو ما يجعلها أمام تحد كبير.
وأوضح أن فتح باب الحوار مع الأحزاب يندرج ضمن التوجه نحو مرحلة التوازن، التي ستكون هذه الاستحقاقات مرحلتها الحقيقية، قبل الانتقال في الاستحقاقات المقبلة إلى مرحلة الاستقرار السياسي.
نحو قوائم تجمع الكفاءة والتكوين
ومن خلال حديثه عن إعداد القوائم المترشحة، أبرز سلطاني أن التحدي لا يتعلق فقط بتجديد الوجوه، وإنما باختيار مترشحين قادرين على الجمع بين النزاهة والكفاءة والتكوين الضروري لممارسة التسيير المحلي.
فالكفاءة التقنية، كما أوضح تحتاج إلى أن تتكامل مع التكوين السياسي والقانوني والإداري، حتى تتمكن الوجوه الجديدة من أداء مهامها داخل المجالس المنتخبة، والتعامل مع متطلبات الإدارة المحلية.
وأكد المحلل السياسي أن الاستحقاقات المقبلة يمكن أن تحمل وجوها جديدة إلى حد بعيد، وهو مؤشر إيجابي يحسب لتطهير العمل السياسي، غير أن نجاح هذه الوجوه سيبقى مرتبطا بقدرتها على اكتساب الخبرة، وبمدى مرافقة الدولة والمؤسسات لها وتكوينها إداريا وسياسيا، بما يسمح بتحويل الشغف والكفاءة الأكاديمية إلى تنمية محلية ملموسة، وإلى تسيير يخدم المواطن في حياته اليومية.






