آفاق واعدة لحماية الأرشيف الفني ومحاذير تمس الأمانة العلمية
أكّد البروفيسور العيد جلولي أنّ السينما لم تعد مجرد صناعة للمشاهدة والفرجة، بل أصبحت جزءا أساسيا من الذاكرة الثقافية والتاريخية للمجتمعات، غير أن جزءا مهما من هذا التراث مهدد بالتلف نتيجة تقادم الأشرطة، وتضرر المواد الفيلمية، وفقدان الألوان أو تراجع جودة الصوت والصورة.
اعتبر البوفيسور العيد جلولي في حديث مع «الشعب»، أن الذكاء الاصطناعي يظهر بوصفه أداة جديدة ومتطورة وذكية لتفتح آفاقا واسعة أمام ترميم الأفلام وكل أشكال التسجيلات القديمة، وحماية الذاكرة البصرية وغيرها، وقال: «لقد أصبح اليوم بإمكاننا توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في إزالة التشويش والخدوش، ومعالجة اهتزاز الصورة، واستعادة بعض التفاصيل المفقودة، وتحسين جودة الصوت، بل واستعادة الألوان في الأفلام التي صورت بالأبيض والأسود، غير أن السؤال الأهم ليس إلى أي مدى يستطيع الذكاء الاصطناعي تحسين الفيلم؟ وإنما أين ينبغي أن يتوقف؟»، وأضاف أن الفيلم التاريخي مثلا ليس مادة تقنية فحسب، وإنما هو وثيقة جمالية وثقافية تحمل بصمة زمنها ورؤية مبدعيها، ومن ثم ينبغي أن يكون الترميم استعادة ممكنة للأصل، لا إعادة إنتاج له وفق الذائقة المعاصرة.
وأكّد البروفيسور جلولي أنّ مخاوف مشروعة تبرز وأسئلة مطروحة تظهر وهي: هل يمكن أن يتحول الذكاء الاصطناعي – إذا أسيء استخدامه – من وسيلة لحماية التاريخ السينمائي إلى أداة لتعديله وتغييره ثم تزييفه؟ مشيرا إلى أن إضافة تفاصيل لم تكن موجودة، أو تغيير ملامح الشخصيات، أو إعادة تشكيل الألوان والمشاهد بما يتوافق مع معايير اليوم، قد تنتج فيلما جديدا يحمل اسم الفيلم القديم، لكن هذا لا يعيد الفيلم ذاته، لذلك تقتضي الأمانة العلمية توثيق كل تدخل تقني، والاحتفاظ بنسخة أصلية غير معدلة، والتمييز بوضوح بين المادة الأصلية والنسخة المرممة، مع إخضاع عمليات الترميم لإشراف خبراء السينما والأرشيف والتاريخ.ومن جهة أخرى، اعتبر محدّثنا أنّه يمكن للذّكاء الاصطناعي أن يحدث تحولا كبيرا في إتاحة الأرشيف السينمائي الوطني وجعله في متناول المختصين في كل المجالات، فمن خلال الرقمنة والفهرسة الذكية والتعرف على الوجوه والأماكن والكلمات والموسيقى، يمكن إنشاء منصات بحثية تتيح للباحث الوصول إلى المادة السينمائية عبر البحث باللغة الطبيعية، بدل الاكتفاء بالبيانات التقليدية للفهرسة، وبذلك يصبح الأرشيف فضاء حيا للبحث والتعليم والاستكشاف، وليس مجرد مخزن للأشرطة ولحماية ذاكرتنا البصرية، وأبرز أن الأولوية تبدو في بناء استراتيجية وطنية متكاملة تبدأ بإنقاذ المواد الأكثر تعرضا للتلف، ثم رقمنتها وحفظها في بيئات آمنة، وتطوير قاعدة بيانات وطنية موحدة، وتكوين مختصين في الذكاء الاصطناعي والترميم السينمائي، ووضع ميثاق أخلاقي يحدد حدود التدخل التقني.
وذكر محدّثنا أنّ الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يمنح الفيلم حياة أطول، لكنه لا يملك الحق في منحه حياة مختلفة، فالمهمة الحقيقية ليست صناعة ماض جديد، وإنما إنقاذ الماضي كما وصل إلينا، وإتاحته للأجيال القادمة بأكبر قدر ممكن من الأمانة والأصالة.







