الأصـــول الفنية والخـبرة البشريــة.. مرجــع أساســي للحفــاظ علــى هويـــة الأفـلام
نحــــو إطــلاق مخـــزون رقمــي وطنــي وميثـــاق أخلاقي لترميــم الأفــلام الجزائريــة
أكّد مدير المركز الجزائري للسينما عادل مخالفية، أنّ الذكاء الاصطناعي أصبح أداة واعدة في إنقاذ الأفلام السينمائية المتضررة واستعادة أجزاء من الذاكرة البصرية الوطنية، غير أن الاستفادة منه تظل مرتبطة بحدود الترميم وقواعده، حتى لا تتحول التكنولوجيا إلى وسيلة لإعادة اختراع الأعمال وفق معايير العصر الحديث؛ وشدد على أن النسخة الأصلية والخبرة البشرية تظلان المرجع الأساسي للحفاظ على هوية الفيلم وروحه الفنية وسياقه التاريخي.
أوضح مخالفية في تصريح لـ «الشعب» أنّ تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على إزالة الخدوش والبقع وآثار التلف التي تصيب أشرطة الأفلام، فضلا عن معالجة الصوت وإعادة المكساج واستعادة بعض التفاصيل المفقودة، وهي إمكانات يمكن أن تساعد خصوصا في التعامل مع الأفلام القديمة التي تعرضت أجزاء منها للتلف أو الضياع.
ويرى محدّثنا أن الهدف من الترميم لا يتمثل في منح الفيلم صورة أكثر حداثة أو وضوحا، وإنما إعادته إلى أقرب حالة ممكنة من وضعه الأصلي، باعتبار أن الأعمال القديمة تحمل خصائص بصرية وجمالية مرتبطة بالمرحلة التي أنجزت فيها، من الألوان وطريقة التصوير إلى الديكورات والتفاصيل البصرية.
ويحذّر مخالفية من الخلط بين الترميم وإعادة الإنتاج، لأنّ المعالجة الرقمية المفرطة قد تجعل العمل يبدو أكثر جودة من الناحية التقنية، لكنها قد تبعده عن شكله الحقيقي، ولا يستبعد إمكانية الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في استكمال أجزاء مفقودة، غير أن المشاهد التي يعيد النظام بناءها لن تكون بالضرورة مطابقة لما صُوّر في الأصل، وهو ما يجعل تدخل الإنسان ضروريا في تقييم النتائج واتخاذ القرارات النهائية.
ويشدّد مخالفية على أهمية الاستعانة بالمؤرخين والخبراء والمتخصصين في الترميم، خاصة عندما يتعلق الأمر بأعمال مرتبطة بمراحل تاريخية وثقافية محددة، فالذّكاء الاصطناعي يستطيع معالجة الصورة والصوت اعتمادا على المعطيات المتوفرة، لكنه يحتاج إلى مرجعية علمية تحدد ما ينبغي الحفاظ عليه وما يمكن إصلاحه.
وفي السياق، يبرز البعد الأخلاقي في استخدام هذه التقنيات، إذ لا يتعلق الأمر فقط بقدرة الذكاء الاصطناعي على تحسين الصورة، وإنما بمدى احترامه لأصالة العمل، وعدم تقديم عناصر مستحدثة على أنها جزء من المادة الأصلية.
ويؤكّد مخالفية أنّ الاحتفاظ بالنسخ الأصلية، وخاصة الـ»نيغاتيف» يبقى أساس أي عملية ترميم جادة، باعتبار أن العودة إلى المادة الأصلية تسمح بمقارنة النتائج والتأكد من مدى وفاء المعالجة للعمل، كما يمكن أن تظهر الفروقات في ملامح الوجوه والديكورات والألوان وحتى الصوت، وهي تفاصيل قد تبدو بسيطة للمشاهد العادي، لكنها تكون أكثر وضوحا بالنسبة إلى المختصين.
وفي هذا الإطار، كشف مخالفية عن العمل على اتفاقية لاسترجاع عدد من الأفلام الموجودة في الخارج، فضلا عن العثور على نسخ أصلية لبعض الأعمال على مستوى السينماتيك، معتبرا أن استعادة هذه المواد تمثل خطوة مهمة في الحفاظ على الذاكرة السينمائية الوطنية.
ولا يقتصر العمل على الترميم، إذ يعمل المركز على إنشاء منصتين رقميتين، الأولى مخصصة لأرشيف الأفلام، والثانية للأرشيف الورقي، بهدف تمكين الطلبة والباحثين والمهتمين من الوصول إلى المصادر والمعلومات المرتبطة بالسينما الجزائرية.
ويؤكّد مخالفية أنّ الرقمنة لا يمكن أن تبدأ دون معرفة دقيقة بحجم الرصيد الأرشيفي وحالته، لذلك يأتي الجرد والتشخيص في مقدمة الأولويات، ويشمل ذلك إعداد قاعدة بيانات للأفلام وحصر السلبيات والصور والملصقات والملفات الصحفية و»الستيلز» وصور مواقع التصوير.
كما يواجه الأرشيف أخطارا مادية مرتبطة بعوامل الزمن والتخزين، من بينها ظاهرة «حمض الخل» والفطريات الناتجة عن ارتفاع الحرارة والرطوبة. ولهذا يجري فحص البكرات وإعادة لفها وفق آليات تقنية تساعد على إطالة عمرها والحفاظ على خصائصها.
وفي مجال الرّقمنة، تمّ إطلاق صفقة تخص 144 فيلما، بالتوازي مع مشروع إنشاء مخزون وطني رقمي على مستوى المنشأة المرتقب إنجازها في عين الدفلى، بما يسمح بحفظ الرصيد السينمائي وفق معايير مهنية وقانونية، كما يعمل المركز على إعداد ميثاق أخلاقي لترميم الأرشيف، يحدّد ضوابط الترميم والتخزين وإعادة الإتاحة والاستغلال، فالرهان، كما يختصره مخالفية، لم يعد مجرد إنقاذ أفلام من التلف، وإنما حماية الذاكرة البصرية الوطنية من الضياع ومن أي تغيير قد يمس أصالتها، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة في خدمة التاريخ، لا بديلا عنه.







