يمثل التراث الثقافي الفلسطيني الركيزة الجوهرية للذاكرة الجمعية وشاهدا حيا على عمق الوجود الحضاري والتاريخي للشعب الفلسطيني فوق أرضه، في مواجهة سياسات الاحتلال الإسرائيلي الرامية إلى مصادرة التاريخ وتزييف الهوية الوطنية عبر مشاريع التهويد والاستيطان المستمرة.
ولقد تناول الباحث إسماعيل شيخي أوسي، من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجامعة اللبنانية، في دراسة أكاديمية موسعة نشرتها “مجلة التراث” الصادرة عن جامعة الجلفة، أبعاد الصراع الأيديولوجي المحتدم حول التراث الفلسطيني بشقيه المادي واللامادي، موضحا أن المعركة الثقافية توازي المعركة العسكرية وتتكامل معها لاستهداف الوجود الفلسطيني في مقوماته كافة، ومؤكدا أن الحفاظ على هذا الإرث يشكل واجبا وطنيا وفعلا من أفعال الصمود والمقاومة.
المفهوم والأصالة التاريخية
ينصرف مفهوم التراث الثقافي، وفق الطرح الأكاديمي للدراسة، إلى مجموع النتاج المادي والوجداني والفكري الذي راكمته الحضارات المتعاقبة وتوارثه الخلف عن السلف، تعبيرا شاملا عن علوم المجتمع وفنونه وعمرانه وفلسفته وشرائعه وتقاليده. وتمتد الدلالة اللغوية للّفظ إلى الجذر القرآني المعبر عن الميراث الحضاري التراكمي الذي يمنح الأمة بصمتها الخاصة ويميزها عن سائر الشعوب، مؤكدا أن التراث لا ينفصل عن الهوية القومية والروحية التي تتشكل عبر العصور.
وتبرز الدراسة أن أرض فلسطين، بحكم موقعها الجغرافي الاستراتيجي الرابط بين قارتي آسيا وإفريقيا، شكلت ملتقى تاريخيا للحضارات الإنسانية المتعاقبة منذ العصر الكنعاني مرورا بالفترات الكلاسيكية كالإغريقية والرومانية ووصولا إلى الحضارة الإسلامية الزاهرة، ما جعلها مستودعا زاخرا بالمعالم الدينية والمعمارية الشاخصة، كالمساجد والكنائس والأسواق والمنشآت المائية والقنوات والمدن التاريخية العريقة التي تشهد على تواصل الوجود الإنساني فيها دون انقطاع.
تنوّع التراث الفلسطيني
حددت الدراسة ملامح التراث الفلسطيني عبر منظومة ثلاثية الأبعاد تتكامل فيها العناصر الشاخصة مع الموروث الشفاهي؛ إذ يتجلى التراث المادي الثابت في المنشآت الدينية والمدنية والعسكرية، والمجموعات العمرانية الحضرية والريفية المحفوظة، كقصبات المدن وقصورها وبلداتها القديمة في القدس ونابلس والخليل وبيت لحم، التي تعكس تفاعل الإنسان مع بيئته وقدرته على الإبداع المعماري.
ويتكامل هذا البعد مع التراث المادي المنقول الذي تحتضنه الأرض، متمثلا في اللقى الأثرية والقطع الفخارية والخزفية والنقوش الجدارية والمسكوكات النقدية والحلي والأسلحة وبقايا المدافن والوثائق والمخطوطات النادرة، في حين يجسد التراث اللامادي نبض الحياة الشعبية ومعارفها التقليدية؛ إذ تحضر الأزياء الشعبية وفي مقدمتها “الثوب الفلسطيني” المطرز و”القمباز”، إلى جانب الحرف اليدوية كصناعة الصابون وزيت الزيتون في نابلس والزجاج والخزف في الخليل، فضلا عن الفنون الشعبية من أهازيج وأغانٍ وموسيقى ودبكات شعبية ارتبطت بالمناسبات الاجتماعية ومواسم الحصاد وعكست آمال الشعب ونضاله ضد المؤامرات المتعاقبة.
ميادين الصراع ومخططات التهويد
أكدت الدراسة أن الآثار شكلت إحدى جبهات المواجهة الأيديولوجية الكبرى؛ حيث وظفت سلطات الاحتلال عمليات التنقيب الأثري لخدمة غايات استيطانية بحتة، وسعت إلى صياغة سردية أحادية الجانب تلفق روابط مصطنعة بين الماضي والحاضر لتبرير احتلال الأرض وطرد سكانها الأصليين. ومارست سلطات الاحتلال سياسة مزدوجة تقوم على إضفاء الصبغة التهويدية على المعالم التراثية، مع السعي الممنهج لإلغاء الطابع العربي والفلسطيني الأصيل وقطع صلة الشعب بأرضه وتاريخه.
وتكشف المعطيات الواردة في البحث فداحة التدمير المنظم الذي طال المعالم التاريخية، بدءا من محو أكثر من خمسمائة قرية ومدينة فلسطينية بين عامي 1948 و1952 وإقامة المستوطنات على أنقاضها، وصولا إلى استهداف النسيج التاريخي للبلدات القديمة، كما حدث إبان اجتياح البلدة القديمة بنابلس وحصار كنيسة المهد عام 2002، والتدمير الواسع للمعالم التاريخية في قطاع غزة، وتفاقمت هذه الأضرار بفعل جدار الفصل العنصري الذي استحوذ على قرابة نصف الموارد والمواقع الأثرية وعزل القدس عن محيطها، ترافقا مع تحويل مواقع الحفريات إلى بؤر استيطانية وتغيير أسماء المعالم والمواقع الإسلامية والمسيحية وإطلاق أسماء عبرية وتوراتية جديدة لطمس كل أثر تاريخي عربي.
محنة المخطوطات والوثائق التاريخية
رصدت الدراسة أبعاد استهداف الرصيد المخطوط والوثائقي الفلسطيني عقب نكبة 1948 ونكسة 1967، واصفة تراجع هذا الرصيد بالكارثة الثقافية؛ إذ تشير التقديرات إلى أن فلسطين كانت تضم زهاء 50 ألف مخطوطة أصلية موزعة على مكتبات المدن والمؤسسات والأسر العريقة، قبل أن تتقلص هذه الثروة إلى قرابة ثمانية آلاف مخطوطة فقط بقيت في أيدي الهيئات الوطنية والمحلية، بعدما تعرضت البقية للنهب والسرقة والمصادرة والاستحواذ في الجامعات والمتاحف الإسرائيلية.
واستعرض الباحث نماذج حية لهذه الحرب التوثيقية، مسلطا الضوء على ما واجهته “المكتبة الخالدية” في القدس من حصار عسكري وملاحقات قانونية واقتصادية متواصلة من قِبل سلطات الاحتلال والمستوطنين للاستيلاء على مبناها ومخطوطاتها، وهو ما تم إفشاله بفضل صلابة القائمين عليها واللجوء إلى التضامن الدولي والمحاكم. كما وثقت الدراسة واقعة السطو على مخطوطة فريدة بعنوان “فضائل البيت المقدس” لأبي بكر الواسطي من مقتنيات “المكتبة الأحمدية” في عكا، والتي جرى نقلها واستغلالها في أروقة الجامعة العبرية لإعادة قراءتها بصورة مجتزأة تخدم الأطروحات الاستيطانية وتوظف النصوص في مسار تبرير احتلال الأرض والمقدسات.
متطلبات الحماية والإنعاش
خلصت الورقة العلمية إلى بلورة مقاربة تصنيفية شاملة لتراث فلسطين تقسمه إلى أربعة مستويات متداخلة، تشمل التراث الموجود في فلسطين وهو القائم على أرضها ماديا ووثائقيا، والتراث المكتوب عنها في الأقطار العربية والإسلامية، والتراث الصادر من أبنائها وعلمائها ومبدعيها، إضافة إلى التراث المدون لفلسطين من مصادر ومؤلفات أجنبية تتطلب بحثا نقديا دقيقا لدحض الادعاءات المغلوطة.
وشددت الدراسة على حتمية الخروج من دائرة التوثيق النظري إلى العمل المؤسسي المنظم، من خلال إطلاق مشروع “المكتبة الفلسطينية الكبرى” وتوسيع عمليات الرقمنة والمسح الشامل للوثائق والمخطوطات في الداخل والخارج، مع تكثيف التنسيق مع الهيئات والمجامع العلمية الإقليمية والدولية. ودعت إلى إدماج مباحث التراث في المناهج التعليمية والمنابر الإعلامية، بوصف التراث المعرفي والمادي سلاحا استراتيجيا وحصنا للهوية الوطنية، قادرا على تفنيد الروايات الاستعمارية وتثبيت الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في أرضه وتاريخه.






