منتجــات الصناعــــة الوطنيــة تعزــــّز تنافسيتــها العاليـــة فــي الأســـواق الدوليـــة
سلط الخبير الاقتصادي وأستاذ العلوم الاقتصادية، مراد كواشي، الضوء على التحولات الجذرية التي شهدها مسار الصناعة الوطنية، مؤكدا أن الجزائر خطت خطوات ملموسة ومتقدمة خلال السنوات الست الماضية، معتبرا أن هذا التقدم يمثل ثمرة رؤية متبصرة لرئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون ، حيث كان النهوض بقطاع الصناعة حاضرا بقوة بما هو أهم الأولويات، في برنامجه الانتخابي الأول وبرنامجه الثاني.
استهل البروفسور كواشي تحليله بالإشارة إلى الرؤية الرئاسية المتبصرة، مذكرا بأن السيد الرئيس اعتبر في بداية عهدته الأولى أن قطاع الصناعة يحتاج إلى تطوير ونهضة، إذ كانت مساهمته تقتصر آنذاك على نسبة تتراوح بين 3 و4 بالمائة فقط من الناتج المحلي الإجمالي.
وأوضح كواشي أن المعطيات تغيرت اليوم، حيث تجاوزت نسبة مساهمة الصناعة سقف 10 بالمائة، مشيرا إلى التعهد الرئاسي الواضح برفع هذه النسبة لتصل إلى 15 بالمائة من حجم الاقتصاد الوطني.
سلسلـــــة صناعيـــــة متكاملـــــة
ومن أجل تحقيق هذا الهدف الطموح، لفت كواشي الانتباه إلى أن الدولة فتحت ورشات إصلاحية كبرى شملت مختلف الشعب والفروع الصناعية، وذكر أن على رأس هذه الإجراءات استحداث القانون الجديد للاستثمار الذي تضمن مزايا وتحفيزات كبيرة للمستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء، وأكد أن هذه الإجراءات أثمرت أكثر من 21 ألف مشروع استثماري مسجل لدى الوكالة الجزائرية لتطوير الاستثمار، مشيرا إلى أن أكثر من نصف هذه المشاريع يندرج ضمن القطاع الصناعي.
وأشاد كواشي بالمجهودات الميدانية التي قامت بها الدولة لتوفير العقار الصناعي، بالإضافة إلى الإصلاحات البنكية الواسعة التي تجسدت في قانون النقد والصرف الجديد، وقال إن كل الإجراءات المالية والمصرفية والعقارية، جاءت بهدف مرافقة المستثمرين وتسهيل مهامهم في المجال الصناعي، بالموازاة مع المجهودات المبذولة في قطاعات حيوية أخرى تنعكس بشكل مباشر أو غير مباشر على دعم منظومة الصناعة.
وأبرز كواشي النجاح الكبير الذي شهده القطاع المنجمي والمعدني من خلال إطلاق مشاريع عملاقة، على غرار مشروع منجم غارا جبيلات، ومشروع الفوسفات المدمج، ومشاريع استخراج الزنك والرصاص، وأكد أن الهدف الاستراتيجي لهذه المشاريع العملاقة لا يقتصر وحده على استخراج المواد الأولية، لأنه يرمي إلى بناء سلسلة قيمة حقيقية، وتأسيس صناعة تحويلية وسلسلة صناعية محلية متكاملة، بدلا من الاكتفاء بتصدير المواد الخام.
الصناعـــــة قاطــــرة الاقتــصـــــــاد
في السياق، أفاد كواشي أن هذا التكامل يمتد ليشمل القطاع الفلاحي، مشيرا إلى أن الفلاحة أصبحت ثاني أكبر قطاع مساهمة في الاقتصاد الوطني بعد قطاع الطاقة، وقال إن هذا النجاح الفلاحي ينعكس إيجابا على تطوير الصناعات الغذائية، ما يسمح بتحويل المنتجات الفلاحية إلى منتجات مصنعة تستند إلى قاعدة فلاحية قوية ومتطورة.
وعرض كواشي أبرز المؤشرات التي تؤكد أن الصناعة تحولت إلى قاعدة تنموية صلبة يمكن الرهان عليها مستقبلا، وقدم أمثلة حية من قطاع الصناعات الغذائية، مشيرا إلى أن الجزائر كانت تستورد، قبل خمس أو ست سنوات، منتجات مثل العجائن والمشروبات والمصنعات الغذائية من البلدان المجاورة، وأصبحت اليوم تصدرها.
وانتقل كواشي إلى قطاع مواد البناء، ليوضح أن الجزائر كانت تستورد منتجات مثل الرخام، والإسمنت والحديد، وصارت اليوم مصدرا لهذه المنتجات، بالإضافة إلى تصدير المواد الكيميائية ومشتقات الفوسفات.
ووقف كواشي على التطور الكبير في الصناعات الإلكترونية والمنزلية والكهربائية، مؤكدا أن المنتجات الجزائرية في هذا المجال أصبحت تصل إلى أسواق عربية وإفريقية عديدة، ما يدل على امتلاك المنتج الصناعي الجزائري لقدرة تنافسية عالية في الأسواق الدولية، ويلبي جزءا كبيرا من الطلب المحلي.
وفي مؤشر آخر يراه حاسما، سلط كواشي الضوء على قطاع الصناعات الصيدلانية، موضحا أن الجزائر تحقق حاليا نسبة اكتفاء ذاتي تقدر بنحو 80 بالمائة، وأن المنتجات الدوائية الجزائرية انتزعت حصة مهمة من الأسواق الإفريقية، وأصبحت تصل إليها بقوة، وخلص إلى القول إن الصناعة أصبحت قاطرة حقيقية للاقتصاد الوطني.
تقنيـــــــات علميــــة متطــــــورة
توقع كواشي أن تشهد الجزائر انطلاقة نوعية وحقيقية في القطاع الصناعي بمجرد تجسيد المشاريع المسجلة لدى الوكالة الجزائرية لتطوير الاستثمار على أرض الواقع، والتي يتجاوز عددها 21 ألف مشروع، وأكد أن القطاع الصناعي يلعب دورا محوريا في مسار التحول الجاري لجعل الجزائر ضمن مصاف الدول الناشئة، مبررا ذلك بالترابط بين القطاعات؛ فلا يمكن الحديث عن استغلال مثالي للمناجم والتعدين دون قاعدة صناعية متطورة، ولا يمكن تحقيق ثورة فلاحية دون صناعات غذائية قوية.وذهب البروفسور كواشي إلى التأكيد على أن الجزائر تمتلك كافة الشروط والمقومات لتطوير قطاعها الصناعي، بدءا من وفرة الموارد الأولية والثروة المعدنية، مرورا بتوفر الطاقة بأسعار معقولة، وصولا إلى السوق الداخلية الكبيرة التي تقدر بـ50 مليون نسمة، وكذلك انفتاحها على السوق الإفريقية الواسعة التي تضم نحو 1.4 مليار نسمة، معتبرا أن المورد البشري يظل رأس المال الحقيقي والركيزة الأساسية لأي تطور.
وقال كواشي إن المنافسة الدولية تتطلب امتلاك تقنيات علمية متطورة وموارد بشرية مؤهلة وقادرة على التحكم في هذه التقنيات. وذكر أن الجزائر تمتلك المقومات البشرية والتكنولوجية والمالية والطاقوية، ما يجعلها مرشحة بقوة لتتوج – في القريب العاجل – كقطب صناعي مهم وحيوي في المنطقة الإفريقية.





