النسيج المتكامل من المناولين حول المصنع.. قوة الصناعة
الانتقال من تعدد المصانع إلى بناء منظومة إنتاجية متكاملة
يرى الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي أن الحديث عن التنويع الاقتصادي أصبح ضرورة إستراتيجية تفرضها التحولات المتسارعة في الاقتصاد العالمي، وتقلبات أسواق الطاقة، وتصاعد المنافسة على الاستثمار وسلاسل القيمة والتكنولوجيا.
أكد الدكتور هواري تيغرسي أن الاقتصاد الذي يعتمد بدرجة كبيرة على قطاع واحد أو عدد محدود من مصادر الدخل، يظل معرضا للصدمات الخارجية، مهما بلغت قدرته المالية في فترات الرواج، ومن هنا تبرز أهمية المسار الذي تتجه إليه الجزائر نحو تنويع قاعدتها الإنتاجية، وتطوير الصناعة التحويلية، وتشجيع الاستثمار، واستغلال الموارد الطبيعية في خلق قيمة مضافة أكبر داخل الاقتصاد الوطني.
واعتبر الخبير الاقتصادي أن الجزائر تدخل مرحلة ينبغي فيها الانتقال من مفهوم تنويع النشاط الصناعي إلى بناء القوة الصناعية، موضحا أن امتلاك مصانع في قطاعات مختلفة لا يعني بالضرورة امتلاك صناعة متكاملة؛ لأن الصناعة تبدأ فعليا عندما تنشأ حول المصنع شبكة من الموردين والمناولين والخدمات الهندسية واللوجستية ومراكز البحث والتكوين، عندها فقط ينتقل الاقتصاد من مجرد استضافة وحدات إنتاجية إلى امتلاك منظومة صناعية قادرة على خلق الثروة بشكل متكرر ومستدام.
من تنويع النشاط إلى تنويع القيمة
ذكر تيغرسي أن الجزائر تمتلك مقومات مهمة لبناء المنظومة الصناعية، من موارد طبيعية وسوق داخلية معتبرة وموقع جغرافي استراتيجي، إلى جانب قاعدة من المؤسسات والموارد البشرية، غير أن التحدي – يقول تيغرسي – لا يكمن في حجم الموارد المتوفرة، وإنما في مقدار القيمة الاقتصادية التي تستطيع الجزائر استخراجها من هذه الموارد قبل تسويقها.
وفي السياق، أشار محدثنا إلى أن القيمة الاقتصادية الحقيقية لا تتوقف عند استخراج الخام وبيعه، وإنما تتضاعف عندما تنتقل المادة من مرحلة الاستخراج إلى المعالجة ثم التحويل، ثم إلى منتجات نصف مصنعة ونهائية يمكن تسويقها محليا وتصديرها، كما هي الحال بالنسبة للموارد المنجمية، موضحا أن “الحديد لا ينبغي أن ينتهي عند استخراج الخام، وإنما يمكن أن يكون بداية لسلسلة تشمل الصلب والمنتجات المعدنية والآلات والمعدات”، وينطبق الأمر نفسه – وفق محدثنا – على الفوسفات والموارد الطاقوية والمواد الكيميائية، التي يمكن تحويلها إلى قاعدة لصناعات ذات قيمة مضافة أعلى.
من هنا، أكد تيغرسي أن القطاعات الصناعية لا ينبغي أن تعمل بصورة منفصلة، لأن قوة الصناعة تظهر عندما ترتبط القطاعات ببعضها، فالبتروكيميائيات يمكن أن تدعم صناعات البلاستيك والمواد الكيميائية والتغليف، والصناعة المنجمية يمكن أن تغذي الصناعات المعدنية والميكانيكية، بينما يمكن للزراعة أن تشكل قاعدة لصناعات غذائية تشمل التحويل والتعبئة والتخزين والتبريد والنقل،أما الصناعة الميكانيكية فيمكن أن تصبح قاعدة لصناعة السيارات والآلات والمعدات وقطع الغيار.هذا الترابط – يواصل محدثنا – هو الذي يصنع ما يسمى بسلاسل القيمة، وكل سلسلة قيمة ناجحة تعني أن استثمارا واحدا يمكن أن يولد عشرات الاستثمارات المرتبطة به، وعندما تنجح الدولة في بناء هذه العلاقات، يصبح الاستثمار الصناعي أكثر تأثيرا على الاقتصاد، لأن المصنع لا يعود وحدة إنتاج منفردة، وإنما يصبح مركزا لنشاط اقتصادي واسع حوله.
بناء ميزة تنافسية مستدامة
إن الأولويات الصناعية الجزائرية ينبغي أن تركز على مجموعة من السلاسل التي تمتلك البلاد فيها مقومات حقيقية، مثل الصناعات المنجمية والتحويلية، والصناعات البتروكيميائية والبلاستيكية، والصناعات الميكانيكية والسيارات ومكوناتها، والصناعات الغذائية، والصناعات الدوائية والكيميائية، والصناعات الكهربائية والإلكترونية، ومعدات الطاقات المتجددة، غير أن الأولوية لا ينبغي أن تعني توزيع الدعم على الجميع، وإنما تحديد المجالات التي يمكن للجزائر أن تبني فيها ميزة تنافسية مستدامة.
وأوضح محدثنا أن من بين القطاعات التي يمكن أن تحقق أثرا واسعا الصناعات الغذائية، فالجزائر لا تحتاج إلى زيادة الإنتاج الزراعي، وإنما إلى الانتقال من اقتصاد ينتج المواد الزراعية إلى اقتصاد يصنعها ويخزنها ويغلفها ويسوقها ويصدرها، لذلك، فإن السياسة الصناعية والزراعية ينبغي أن تلتقيا في نقطة واحدة هي سلسلة القيمة الغذائية.
وتمثل الصناعة الميكانيكية – بدورها – اختبارا مهما لقدرة الجزائر على بناء منظومة صناعية، فنجاح هذا القطاع لا يقاس بعدد المركبات التي يتم تجميعها، وإنما بعدد المكونات التي يمكن إنتاجها محليا، وعدد المؤسسات التي تدخل في شبكة المناولة، ومستوى التكنولوجيا التي يتم نقلها، وقدرة المؤسسات الجزائرية على إنتاج مكونات يمكن أن تجد أسواقا خارج قطاع السيارات نفسه، وسجل محدثنا أن “السيارة” ليست منتجا واحدا، وإنما هي منظومة من آلاف المكونات، وإذا استطاعت الجزائر تطوير صناعة الكابلات، والزجاج، والمقاعد، والأجزاء المعدنية، والمنتجات البلاستيكية التقنية، والإلكترونيات، والإطارات، وقطع الغيار، وأنظمة التحكم، فإن “مشروع السيارة” يمكن أن يتحول إلى منصة لبناء صناعة ميكانيكية وطنية واسعة.
الحاجة إلى خريطة صناعية وطنية
وشدد تيغرسي على ضرورة تطوير مفهوم الإدماج المحلي، لأن ارتفاع نسبة المكونات المحلية لا يعني دائما ارتفاع القيمة المضافة بالقدر نفسه، موضحا أن تقييم المشاريع ينبغي أن يأخذ في الاعتبار المواد والخدمات المحلية، والمهارات والتكنولوجيا والبحث والتطوير والصادرات، مع ربط الحوافز بالنتائج المحققة وليس فقط بحجم الاستثمار.
وبخصوص الاستيراد، يرى تيغرسي أن المطلوب ليس السعي إلى إنتاج كل شيء محليا، وإنما تحويل فاتورة الاستيراد إلى خريطة للفرص، ويشرح أن بعض المنتجات والمدخلات يمكن توطين إنتاجها عندما تتوفر الجدوى الاقتصادية والتقنية وحجم الطلب، بينما يظل استيراد منتجات أخرى أكثر كفاءة ولذلك، فإن تحديد المدخلات التي يمكن إنتاجها محليا يمكن أن يشكل قاعدة لتوجيه الاستثمارات الصناعية.
ويبرز دور المؤسسات الصغيرة والمتوسطة – يقول تيغرسي – في بناء المنظومة الصناعية، مؤكدا أن الصناعة الوطنية لا يمكن أن تقوم على الشركات الكبرى وحدها، ويقترح تطوير برنامج وطني للمناولة يربط المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بالمشاريع الكبرى، ويوفر لها التمويل والتكوين والمعايير وشروط الاعتماد، مع إدراج خطة تطوير الموردين المحليين ضمن دراسة أي مشروع صناعي كبير.
وفي المقابل، يرى الخبير تغرسي أن الجامعة يجب أن تصبح جزءا مباشرا من العملية الصناعية، لأن استيراد التكنولوجيا وحده لا يمكن أن يكون استراتيجية دائمة، ويؤكد أهمية توجيه البحث التطبيقي نحو احتياجات المؤسسات، خصوصا في مجالات تحسين الجودة، وخفض التكاليف، والكفاءة الطاقوية، والأتمتة والذكاء الاصطناعي وتطوير المنتجات.
تحسين الجودة وخفض التكلفة
شدد تيغرسي على أن اللوجستيك جزء من القدرة التنافسية للصناعة، قائلا: “إن المنتج لا ينافس فقط داخل المصنع، وإنما ينافس أيضا في تكلفة نقله وسرعة وصوله إلى الزبون ولذلك، فإن تطوير الموانئ والسكك الحديدية والمناطق الصناعية والمخازن والجمارك والمنظومة الرقمية يجب أن يكون جزءا من السياسة الصناعية نفسها”.
وذكر تيغرسي أن الحماية الصناعية، عندما تكون ضرورية، يجب أن تكون مؤقتة ومرتبطة بأهداف واضحة، مثل رفع الإنتاجية وتحسين الجودة وخفض التكلفة وزيادة الإدماج والصادرات، لأن الهدف ليس حماية المؤسسة إلى الأبد، وإنما مساعدتها على الوصول إلى مرحلة تستطيع فيها المنافسة.
وخلص تيغرسي إلى القول إن الجزائر تحتاج إلى خريطة صناعية وطنية تمتد إلى 2030 و2035، تحدد القطاعات ذات الأولوية، والفجوات الصناعية، والمدخلات القابلة للتوطين، ومواقع الأقطاب الصناعية، والأسواق الخارجية المستهدفة، مع مؤشرات واضحة لقياس القيمة المضافة والإنتاجية والإدماج والصادرات وعدد المؤسسات المرتبطة بسلاسل القيمة. وبحسب المتحدث، فإن المرحلة المقبلة تقتضي تغيير السؤال المركزي في السياسة الصناعية، مؤكدا: “لم يعد المهم أن نسأل كم مصنعا أنشأنا، وإنما كم سلسلة قيمة بنينا، وكم قيمة مضافة بقيت داخل الاقتصاد الوطني، وكم مؤسسة جزائرية أصبحت قادرة على الإنتاج والتصدير”. وتبقى المعادلة، كما يلخصها محدثنا، “المورد الوطني ليس نهاية السلسلة، بل بدايتها، والمصنع ليس الهدف، بل نقطة انطلاق، والتصدير ليس نهاية السياسة الصناعية، بل دليل نجاحها”.



