نمـــو متـــوازن يتّجــه نحـــو التنويـــع وحمايـــة اجتماعيـــة تترسّـــخ
جبايـــة وطنيــــة أكــــثر عدالــة وعصرنـــة ورقمنــة وتــدرّج فـي التحصيـــل
يرى الباحث في الاقتصاد وقانون الأعمال بجامعة الأغواط، الدكتور الحاج محمد الرڤ، أنّ الجزائر ستدخل عام 2027 بميزانية متّزنة تعكس إرادة سياسية واضحة لمواصلة البناء والتشييد الاقتصادي دون التفريط في البعد الاجتماعي للدولة.
أبرز الدكتور الحاج محمد الرڤ، أنّ مشروع قانون المالية 2027 المزمع عرضه على البرلمان بغرفتيه السفلى والعليا، ليس مجرّد جداول لأرقام قطاعية، بل خارطة طريق جديدة تجمع بين الطموح لمواصلة النمو الاقتصادي، والحرص على حماية القدرة الشرائية للجزائريّين، وهو ما يُبيّن أنّ الدولة ماضية في نهجها الرّصين الذي يجعل من المواطن محور السياسات الاقتصادية.
وفي تصريح لـ»الشعب»، أوضح الرڤ، أنّ أهمية القانون الميزانياتي الحالي تبدأ من مؤشّرات النمو المرتفعة، إذ يتوقّع المشروع نموا بنسبة 4.2 بالمائة في 2027، ثم 4.1 بالمائة في 2028 و4.7 بالمائة في 2029، وهي وتيرة نامية ومستقرّة تعكس الثقة في متانة الاقتصاد الوطني الذي يتنظر أن يبلغ حجم ناتجه الإجمالي الخام السنوي أكثر من 400 مليار دولار. والأهم أن هذا النمو لا يُبنى على قطاع المحروقات وحدها، وإنما يراهن القانون على متوسط نمو سنوي في 2027-2029 يبلغ 5.9 بالمائة في الصناعة، و5.3 بالمائة في البناء، و5 بالمائة في الخدمات، و4.6 بالمائة في الزراعة، ممّا يؤكّد التوجه نحو استحداث اقتصاد أكثر تنوّعا وأقل ارتهانا لتقلّبات أسواق الطاقة العالمية.
كما يتجلّى البُعد الاجتماعي في أرقام لا تحتاج إلى تأويلات، حيث رصد القانون 6,087 مليار دينار لكتلة الأجور مقابل 5,926 مليار في 2026، وتمّ برمجت 125,675 منصب عمل في 2027، مع أولوية واضحة لقطاعي التربية والصحة، أي نحو التركيز على بناء مدرسة المستقبل وصحة المواطن، وتواصل البرامج السكنية ببناء مئات آلاف الوحدات من مختلف الصيغ، لينعكس كل ذلك على انتعاش الطلب الداخلي، وعلى حركية أنشطة قطاعات البناء والخدمات، وفقا له.
ولعلّ أبرز ما يميّز هذا المشروع، مثلما أفاد الرڤ، هو احترامه للتوجيه الرئاسي، إذ لم يتضمّن أي زيادات ضريبية أو ضريبة جديدة تؤثر على القدرة الشرائية للجزائريّين، سواء للطبقة الوسطى أو للفئات المعوزّة، تنفيذا لما طلبه رئيس الجمهورية في اجتماع مجلس الوزراء الأخير، في رسالة واضحة مفادها أنّ تمويل التنمية لن يكون على حساب جيب المواطن البسيط.
وتابع: «تمويل هذه الطموحات يكون بتحقيق عدالة جبائية ذكية لا بإثقال الأغلبية، فقد خُفّض الحد الأدنى لخضوع الأملاك لضريبة الثروة من 100 مليون دينار إلى 80 مليون دينار، بنسب تتراوح بين 0.2 بالمائة و1 بالمائة، بما يجعل أصحاب الثروات يساهمون بقدر أكبر في المجهود الوطني. وفي السياق نفسه، تمضي الدولة في عصرنة الإدارة الجبائية، إذ يقترح المشروع تمكين إدارة الضرائب من تحليل المعلومات المتاحة للعموم على مواقع التواصل الاجتماعي لرصد المداخيل غير المصرّح بها، وإلزام المنصّات الأجنبية بالتسجيل في بوابة ضريبية مخصّصة لغير المقيمين. وهذه إجراءات تحقّق الإنصاف بين من يصرّح ومن لا يصرّح، وتفتح الباب أمام إدماج الاقتصاد الرقمي في المنظومة الرسمية، بما يعزّز الشفافية ويقوي المنافسة العادلة».
ضخامة الميزانية بدورها تعكس حجم الالتزام الوطني، فهي الأكبر في تاريخ الجزائر وتبلغ 17,882.65 مليار دينار، وتبعث إشارة ثقة للمستثمرين والمتعاملين الاقتصاديّين بأنّ الدولة ستواصل تحريك عجلة الاستثمار العمومي، باعتباره المحرّك الذي يخلق الطلب ويفتح المجال أمام نمو المؤسّسات الوطنية العمومية والخاصة، بحسب قوله.
وأردف الباحث: «التفاؤل، لا يعني تجاهل التحديات، ويجب أن يكون تفاؤلا واعٍ بما ينتظر الجمهورية من رهانات تنموية واقتصادية واجتماعية، والفارق بين النفقات والإيرادات، الذي تقدّره بعض القراءات بنحو 48 بالمائة، هو في جوهره ثمن خيار استراتيجي تتحمله الدولة عن قصد؛ للاستثمار في المواطن والبنى التحتية الكبرى بدل الانكماش مستقبلا. وتتوفّر لدى الجزائر أدوات لمعالجته تدريجيا، من خلال توسيع الوعاء الجبائي ورقمنته، ورفع مساهمة القطاعات خارج المحروقات في الناتج الداخلي الخام. أمّا المادة 218 التي تُتيح مراجعة أسعار الوقود عند الاقتضاء، فهي صيغة مرنة تمنح الحكومة هامش تصرّف مدروس، وهي مشروطة بالاقتضاء ولا تفرض أي زيادة تلقائية، وتبقى القرارات المتعلقة بها رهينة بتقدير الجهات المعنية للظرف الاقتصادي والاجتماعي. كما يظلّ بلوغ أهداف النمو مرهونا بجودة التنفيذ وبتوقيت إنجاز وتسليم المشاريع، وهي مسؤولية جماعية تتقاسمها الإدارة والمؤسّسات والمتعاملون الاقتصاديون، وفرصة لإثبات قدرة الاقتصاد الوطني على تحويل الأرقام الطموحة إلى نتائج ملموسة».
قانون المالية لعام 2027، يجمع بين ثلاثة عناصر أساسية ينشدها كل اقتصاد؛ تتمثل في نمو متوازن يتّجه نحو التنويع، وحماية اجتماعية لا تتراجع، وجباية أكثر عدالة وعصرنة ورقمنة. وإذا ما رافقه تنفيذ صارم وتجسيد ميداني للمشاريع في آجالها، فإنه مؤهّل لأن يكون محطة جديدة في مسار تعزيز السيادة الاقتصادية وتحسين معيشة المواطن الجزائري، يذكر الباحث في الإقتصاد وقانون الأعمال بجامعة الأغواط، الدكتور الحاج محمد الرڤ.




