توسيع الوعاء الجبائي.. منظومة إحصائية عصرية وشفافة
الرقمنة مفتاح تحسين التحصيل الجبائي وتوجيه الدعم للمستحقين
أكّد الخبير الاقتصادي سليمان ناصر أنّ الإنفاق العمومي يظل أحد المحركات الأساسية للنمو الاقتصادي في الجزائر، بالنظر إلى دوره في تحريك النشاط الاقتصادي وتمويل المشاريع والاستثمارات، مشيرا إلى أنّ الدولة تراهن على مواصلة هذا التوجه لدعم النمو وتحقيق الأهداف المسطّرة ضمن مشروع قانون المالية لعام 2027.
أوضح ناصر في تعليقه على توقّعات المشروع التي تستهدف تحقيق نمو اقتصادي بنسبة 4,3 بالمائة خلال العام المقبل، أنّ الجزائر تحافظ على مستويات مرتفعة من الإنفاق العمومي، حيث بلغت الميزانية، بحسب تقديره، نحو 136 مليار دولار العام الماضي، فيما تقدر بحوالي 133 مليار دولار خلال العام الجاري، وأضاف أنّ هذا المستوى من الإنفاق يعكس استمرار دور الدولة في تنشيط الاقتصاد الوطني ودعم الاستثمار، بما يتيح توفير الظروف الملائمة لتحقيق النمو وتحريك مختلف القطاعات الاقتصادية. كما يندرج هذا التوجّه، وفق الخبير، ضمن خصوصية الاقتصاد الجزائري الذي يعتمد بدرجة كبيرة على النفقات الحكومية في دفع النشاط الاقتصادي.
وفي السياق، أشار ناصر إلى أنّ طبيعة الاقتصادات المتنوعة التي تستند إلى صادرات متعدّدة وقاعدة إنتاجية واسعة، تتيح لها الاعتماد على آليات مختلفة لتحفيز النمو، بينما يمثل الإنفاق العمومي في الجزائر أداة رئيسية لدعم النشاط الاقتصادي، إلى جانب أهمية تطوير الإنتاج الوطني وتنويع مصادر الثروة.
واعتبر الخبير أنّ بلوغ نسبة 4,3 بالمائة يظل هدفا تسعى السلطات العمومية إلى تحقيقه، غير أنه رجّح تسجيل معدل يتراوح بين 3,8 و3,9 بالمائة، استنادا إلى مستويات النمو المسجلة خلال السنوات الأخيرة، التي تراوحت، بحسب تقديره، بين 3,7 و3,8 بالمائة.
وأكّد ناصر أنّ مواصلة الإنفاق العمومي يمكن أن تدعم النشاط الاقتصادي، فيما يرتبط تحقيق مستويات نمو أعلى بقدرة الاقتصاد على تعزيز أدائه وتوسيع مساهمة القطاعات المنتجة، بما يسمح بتحويل الاستثمارات والنفقات العمومية إلى إنتاج وقيمة مضافة أكبر.
مشاريع لتعزيز الإنتاج والتصدير
سجّل محدثنا أنّ دعم الاستثمار العمومي وتنفيذ المشاريع الاستراتيجية يعدان من بين الرهانات التي تعول عليها الجزائر لتعزيز النمو الاقتصادي، بالنظر إلى ما يمكن أن توفره هذه المشاريع من قيمة مضافة، سواء من خلال تنشيط الإنتاج الوطني في قطاعات الصناعة وغيرها، أو عبر توجيه المنتجات نحو التصدير وجلب العملة الصعبة، وأوضح أنّ من بين أبرز المشاريع التي يمكن أن تُسهم في تحقيق هذه الأهداف، مشروع منجم الحديد بغارا جبيلات، ومشروع الفوسفات المدمج ببلاد الحدبة، خاصة بعد ربطه بشبكة النقل نحو الشمال وميناء عنابة، إلى جانب مشروع الزنك، مؤكّدا أنّ دخول هذه المشاريع مرحلة الإنتاج من شأنه أن يدعم النشاط الاقتصادي الوطني ويساهم في تحقيق معدلات نمو معتبرة.
واعتبر ناصر أنّ الرهان الأساسي يتمثل في استكمال المشاريع الإنتاجية ووضعها حيّز الاستغلال، بما يسمح بتعزيز القدرات الصناعية والتصديرية للاقتصاد الوطني، وتوسيع مصادر الإيرادات خارج قطاع المحروقات.
التحويلات الاجتماعية..
في السياق ذاته، أوضح محدثنا أنّ التحويلات الاجتماعية في مشروع قانون المالية لعام 2027 تقدّر بنحو 6180,5 مليار دينار، أي ما يمثل حوالي 34 بالمائة من إجمالي الميزانية، ما يعكس استمرار اعتماد الدولة على الإنفاق الاجتماعي للحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة وتعزيز التضامن الوطني، وأضاف أنّ هذا التوجه ينسجم مع تأكيدات رئيس الجمهورية بشأن الحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة، مشيرا إلى أنّ التحويلات الاجتماعية تشمل عدة مجالات، من بينها دعم السكن، وتحلية المياه، وأسعار المواد الأساسية واسعة الاستهلاك، على غرار الزيت والسكر والخبز، فضلا عن دعم الوقود والغاز للاستهلاك العام.
وفي هذا السياق، اعتبر الخبير أنّ تخصيص 517,5 مليار دينار لدعم السكن ضمن مشروع قانون المالية لعام 2027 يندرج في إطار السياسة الاجتماعية للدولة التي تهدف إلى مساعدة المواطنين على تحسين ظروفهم المعيشية وتوفير السكن، إلى جانب مواصلة دعم القدرة الشرائية من خلال مختلف آليات الدعم العمومي.
وأكّد ناصر أنّ استمرار تخصيص اعتمادات معتبرة للتحويلات الاجتماعية يعكس تمسّك الدولة بدورها الاجتماعي، في ظل تعدّد المجالات التي يشملها الدعم العمومي، والتي تستحوذ مجتمعة على أكثر من ثلث الميزانية، وفق الأرقام التي أشار إليها.
تحسين تحصيل الضرائب
أوضح أستاذ الاقتصاد بجامعة ورقلة، أنّ مشروع قانون المالية لعام 2027 يتضمّن تدابير ترمي إلى توسيع الوعاء الجبائي وتحسين تحصيل الضرائب، بينها إخضاع خدمات التجارة الإلكترونية التي تقدّمها المواقع الأجنبية للضريبة على القيمة المضافة، إلى جانب تخفيض الحد الأدنى للخضوع للضريبة على الثروة من 10 مليارات سنتيم إلى 8 مليارات سنتيم، وأضاف أن الضريبة على الثروة تطبق بمعدلات منخفضة، إذ تبلغ 0,2 بالمائة عند المستوى الأول، قبل أن ترتفع تدريجيا عبر شرائح مختلفة لتصل إلى 1 بالمائة بالنسبة للثروات التي تبلغ 40 مليار سنتيم أو أكثر.
وفي السياق، أكّد ناصر أنّ تحسين فعالية التحصيل الجبائي لا يتوقّف على استحداث الضرائب أو تعديل معدلاتها فحسب، بل يتطلّب بالدرجة الأولى توفير منظومة إحصائية قوية وشفافة وعصرية ومحينة، تسمح بتحديد المداخيل والثروات بصورة دقيقة، وتوفير معلومات موثوقة تساعد على تطبيق الإجراءات الجبائية بصورة أكثر فعالية، وأضاف أنّ بناء هذه المنظومة يرتبط ارتباطا وثيقا بتسريع الرقمنة التي اعتبرها أداة أساسية لتحسين تسيير الموارد العمومية وتعزيز الشفافية، فضلا عن تحديد الفئات الاجتماعية بحسب مستوى الدخل والثروة، بما يسمح بتوجيه الدعم إلى مستحقيه.
الرقمنة مفتاح اقتصادي..
فيما يتعلق بالرقمنة، أشار ناصر إلى أنّ الجزائر حقّقت خطوات عملاقة في هذا المجال، من بينها إنشاء المحافظة السامية للرقمنة ومركز مخصّص لدعم هذا المسار، لا تزال بحاجة إلى مزيد من التسريع والتطوير، وأضاف أنّ رفع مردودية الجباية وتعزيز قدرة الدولة على تمويل التنمية والحفاظ على التوازن بين الإنفاق الاجتماعي والاستثمار الاقتصادي، يقتضي تسريع الرقمنة وتطوير منظومة إحصائية عصرية وشفافة ومحينة، بما يتيح تحسين معرفة المداخيل والثروات، وتوسيع قاعدة التحصيل الجبائي، وتعزيز فعالية تسيير الموارد العمومية.





