مؤشّــرات مشــروع قانـون الماليــــة تعكــــس تحــوّلا هامـــا وليــــس تحسّنـا ظرفيـا
الاقتصاد المنتج وحماية القدرة الشرائيـة.. نمـــو اقتصـادي واستقــرار اجتماعي
المشـــروع يـــوازن بــــين استدامــة الماليـــة العموميـــــة ومتطلّبـات الدعـــم الاجتماعـــــي
400 مليــار دولار ناتج محلــي و125 ألــف منصـــب عمـــل جديــد.. خارطــــة الطريــــق
اعتبر الدكتور والخبير الاقتصادي هواري تيغرسي، أنّ مؤشرات مشروع قانون المالية تكشف عن آفاق لنمو اقتصادي يتجاوز 4.7 بالمائة بحلول آفاق 2029، مدعوما بتنوّع إنتاجي تقوده قطاعات الفلاحة والصناعة والخدمات، في مسار يرفع الناتج الداخلي الخام إلى نحو 400 مليار دولار.
قال الخبير تيغرسي إنّ هذا التحول الهيكلي يقترن بحماية القدرة الشرائية عبر تعزيز الأجور وتحويلات اجتماعية ضخمة، ما جعل من مشروع القانون أداة للجمع بين بناء اقتصاد منتج خارج المنظومة الطاقوية وضمان الاستقرار الاجتماعي، وأضاف أنّ من أهم ما سجّل مقارنة بالسنوات الماضية، خاصة عند وضع هذه المؤشّرات في سياق آفاق الاقتصاد الوطني على المدى المتوسط، أي خلال الفترة الممتدة من عام 2027 إلى غاية آفاق عام 2029، هي آفاق تعكس تحوّلا هاما في بنية النمو وليست تحسّنا ظرفيا في الأرقام.
وانطلق الخبير تيغرسي في تحليله من قناعة مفادها أنّ قيمة هذه المؤشّرات تكمن في كونها قائمة على تنوّع اقتصادي متنامٍ بدل الاعتماد الأحادي على مداخيل النفط، فوضع مؤشّر النمو الاقتصادي في صدارة ما يستحق التوقّف عنده، إذ أشارت توقّعاته إلى إمكان بلوغ النمو مستوى 4.2 بالمائة في2027، ثمّ 4.1 بالمائة في 2028، قبل أن يرتفع إلى 4.7 بالمائة عام 2029، وهو مسار اعتبره مهما بالنسبة للجزائر؛ لأنّ ثباته فوق عتبة الأربعة بالمائة لثلاث سنوات متتالية يفترض قاعدة إنتاجية أوسع من تلك التي اعتادها الاقتصاد الوطني، وأرجع الخبير هذا المسار إلى تنوّع اقتصادي تشهده الجزائر عبر مشاريع استراتيجية تشمل قطاعات متعدّدة، في مقدمتها الفلاحة والصناعة والطاقة والبناء والخدمات.
دقـــــّة القيــاس وتوسّـــــع النشـــاط
أمّا بخصوص ارتفاع الناتج الداخلي الخام، فأوضح تيغرسي أنّ التقديرات تضع الناتج الداخلي الخام، عند مستوى يقارب 400 مليار دولار عام 2027، وهو مستوى يراه مؤشّرا يدل على أثر استراتيجيات تنويع الاقتصاد ودعم القطاعات المنتجة. ولم يفصل الخبير هذا التطور عن مراجعة طرق تقييم الاقتصاد الوطني، من خلال عملية محاسبية تستهدف تحسين قياس النشاط الاقتصادي، بعدما ظل الاعتماد قائما على أساس يعود إلى نحو عام 1989، ما يعني أن جزءا من التحول في الأرقام مردّه إلى دقّة القياس وتوسّع النشاط الفعلي.
وفي تشريحه لأداء القطاعات الحيوية، أعطى تيغرسي للفلاحة موقع الصدارة في مسار التنويع، إذ توقّع أن يبلغ معدل نموّها 4.6 بالمائة قبل أن يرتفع إلى 4.7 بالمائة، مع الإشارة إلى أنّ هذا الأداء يظل مرهونا بتعامل الاقتصاد مع تحدي الجفاف وتأثيره المباشر في الإنتاج الفلاحي، وما يفرض من ضغط على توفير بعض المنتجات.
ووضع تيغرسي الصناعة في نفس الموقع من الأهمية، استنادا إلى حجم المشاريع الاستثمارية المسجّلة لدى الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، والتي أشار إلى أنها بلغت نحو 23 ألف مشروع، متوقّعا معدل نمو سنوي يقارب 5.7 بالمائة عام 2027 مع مواصلة هذا التوجه إلى غاية آفاق 2029، وربط ذلك بتعزيز القاعدة الصناعية والمنجمية عبر مشاريع استراتيجية، منها مشاريع الزنك والفوسفات بولاية تبسة، في إطار جهد يرمي إلى تطوير الإنتاج الوطني ورفع القيمة المضافة وتوسيع قاعدة الاقتصاد خارج المحروقات.
ووقف تيغرسي عند قطاع إنتاج وتوزيع الكهرباء والغاز باعتباره مجالا استراتيجيا شهدت فيه الجزائر حركية كبيرة، بتوقّعات نمو قاربت 5.5 بالمائة، وبمتوسط سنوي قارب 5.6 بالمائة خلال الفترة 2027-2029، لكن شرط تعزيز القدرات الإنتاجية وضمان الإمداد الطاقوي وتحسين الكفاءة التشغيلية لمواكبة احتياجات الاقتصاد. أمّا منظومة قطاع البناء، ارتقب أن ينمو في حدود 5.2 بالمائة بالنظر إلى حجم المشاريع الاستراتيجية، وعلى رأسها برامج السكن بمختلف صيغها، والتي أشار إلى أنها تستهدف نحو مليوني وحدة سكنية، منها 140 ألف وحدة عمومية إيجارية، و25 ألف وحدة ترقوية مدعمة، ونحو 950 ألف وحدة بصيغة البيع بالإيجار في إطار برنامج «عدل»، و50 ألف وحدة بصيغة «L.P.A» ، و600 ألف وحدة ريفية، إضافة إلى 200 ألف إعانة للبناء في إطار المساعدات الاجتماعية، وهي برامج يرى أنها تلبّي الطلب المتزايد وتحسّن ظروف المعيشة وتحرّك في الوقت نفسه النشاط الاقتصادي المرتبط بالبناء ومواده وخدماته. وفي قطاع الخدمات، توقّع الخبير تسجيل ارتفاع في النمو إلى نحو 5 بالمائة خلال نفس الفترة، مستفيدا من تحسين البنية التحتية للنقل، ومن تطوير المنظومة الرقمية وإنشاء مراكز البيانات، بما يدعم التحول الرقمي ويخفض تكاليف النقل وآجاله ويهيّئ ظروفا أفضل للاستثمار والإنتاج.
الدعـــم الاجتماعـــــي والاقتصــادي
لم يغفل تيغرسي قطاع المحروقات، واعتبره أحد المكونات الأساسية للاقتصاد الوطني، مع إمكانية تسجيل استقرار خلال العام الجاري قبل تحقيق تطورات هامة لاحقة، مشيرا إلى تقديرات تجعل مساهمة القطاع في النمو الاقتصادي في حدود 4.4 بالمائة عام 2029، وراهن تيغرسي على نجاعة الاستراتيجيات والمشاريع المنفذة السارية، وبالشراكات مع المؤسّسات الدولية، خاصة الأمريكية والإيطالية وغيرها من الدول المستثمرة في هذا المجال.
وبخصوص مستوى النفقات العمومية، قال تيغرسي إنها من المحاور الأساسية في مشروع القانون، وفي مقدّمتها نفقات المستخدمين المرتبطة بأجور الموظفين والتزامات الموارد البشرية، في حين تظل نفقات الاستثمار من أهم البنود بالنظر إلى تركيز السلطات العمومية على البنية التحتية، التي لا يرى اقتصادا قويا ومنتجا من دونها، سواء تعلّق الأمر بالمطارات والموانئ والسّكك الحديدية أو بالمشاريع الكبرى الجاري تجسيدها. كما أشار إلى نفقات التحويلات المرتبطة بالدعم الاجتماعي والاقتصادي، وإلى النفقات غير المتوقّعة التي قدّرها في حدود 2.060 مليار دينار عام 2027، معتبرا أنّ تحليل توزيع هذه النفقات هو ما يكشف أولويات الدولة الحقيقية.
وفي الشق المتّصل بالعنصر البشري، أبرز تيغرسي أنّ نفقات المستخدمين لا تُقرأ كأجور فقط، وإنما كآلية تمويل للتوظيف، مشيرا إلى استحداث مناصب مالية إضافية في قطاعات التربية الوطنية والصحة والتعليم العالي والمالية والتضامن الوطني، في سياق جهود يفترض أن تتجاوز 125 ألف منصب عمل، وهو ما يعتبره استثمارا في الكفاءات لا يقل أهمية عن الاستثمار في العتاد والبنى.
واحتلت القدرة الشرائية موقعا مركزيا في قراءة محدثنا، إذ اعتبر أنّ مشروع قانون المالية ترجم سياسة الدولة في مجال الأجور والزيادات المقرّرة فيها، والتي يرى أنّ السلطات العمومية وعلى رأسها رئيس الجمهورية أوفت بالتزاماتها المتعلقة بها، وأنّ هذا البعد الاجتماعي تعزّز عبر التحويلات الاجتماعية والدعم الموجّه إلى المواد الأساسية، من قبيل ما ورد في معطياته من نحو 355.55 مليار دينار للحبوب، و94.31 مليار دينار للحليب، و128.5 مليار دينار للمواد المحلّاة، و25.5 مليار دينار لدعم الطاقة، ونحو 110 مليارات دينار لتثبيت أسعار مجموعة من المواد على غرار السكر والزيت والقهوة، ويرى تيغرسي هذه الاعتمادات كأداة لحماية القدرة الشرائية وضمان توفير المنتجات وتخفيف أثر تقلّبات الأسعار على الأسر، مع تنبيهه إلى ضرورة تحقيق التوازن بين متطلّبات الدعم الاجتماعي واستدامة المالية العمومية، في سياق يواجه تحديات الجفاف وصعوبات التزويد ببعض المنتجات وضرورة ضمان استمرارية الدعم.
أبعـــــاد اقتصاديــــــة واجتماعيــــة متكاملـــــة
ربط تيغرسي المسار الاجتماعي بملف الموارد، إذ أكّد أنّ تحسين الجباية البترولية والجباية بصفة عامة، يوفّر إمكانات إضافية لتمويل الاستثمار وتأهيل الكفاءات ودعم التشغيل، وأنّ التحدي الأساسي في المرحلة المقبلة يتمثل في تقليص عجز الميزانية عبر رفع المداخيل البترولية، وجذب المستثمرين، وتنمية الإيرادات الجبائية غير البترولية. وأكّد الخبير أنّ من أهم ما يميّز مشروع القانون تدابيره الرامية إلى تشجيع الاستثمار المنتج وتنويع الاقتصاد، عبر تنظيم الإطار المؤسّسي لمنظومة الاستثمار وتحديد مهام الوكالة الوطنية للاستثمار والمجلس الوطني للاستثمار والشباك الوحيد للاستثمار، إلى جانب تدابير أخرى منها تحديد سقف لحقوق التسجيل المطبقة عند زيادة رأس المال الاجتماعي.
وخلص هواري تيغرسي إلى القول إنّ قانون المالية حمل أبعادا متناسقة ومتكاملة، بعداً اقتصاديا حدّد حجم الإنفاق والاستثمار الداعم للنمو وتنويع مصادر الدخل، وبعداً اجتماعيا ترجم سياسات الأجور والتحويلات والدعم والصحة والتعليم والسكن وحماية القدرة الشرائية، وبعداً ماليا قارن الموارد بالنفقات ليكشف مستوى العجز وتحديات التوازن، وبعداً مؤسّساتيا أخضع الإنفاق العمومي للترخيص والرّقابة البرلمانية ويحول التزامات الحكومة إلى اعتمادات مالية.





